
تستيقظ مدينة "طوشكاون" على وقع جعجعة وضجيج غير مسموع، حيث تبدأ المرايا العاكسة فوق أسطح المنازل بامتصاص خيوط الشمس الأولى، لكنها لا تعكس الضوء؛ بل تعكس وجوهاً غريبة لم يسبق لأهل المدينة رؤيتها. في "جمهورية إيناتيروم"، لم يعد الوقت يُقاس بالساعات، بل بمدى وضوح الرؤية في ممرات الوادي الملتوية، حيث تعقد السلطة حوار الرياح، فلا يسمع فيه أحدٌ صرخة الآخر.
يتقدم البطل نحو الساحة الكبرى، حيث يقف "الحارس القديم" ممسكاً بلفافة جلدية تآكلت أطرافها. يقول بصوت يشبه حفيف الشجر: «من يبحث عن الحقيقة في الوادي، عليه أولاً أن يكسر صورته القديمة». كانت الكلمات تحمل رمزية عميقة، تشير إلى أن العبور إلى الضفة الأخرى يتطلب تجرداً تاماً من الأوهام التي فرضتها سلطة وادي المرايا لسنوات طويلة.
فجأة، يظهر طيف "سيد المرايا" في الأفق وسط عويل صراخ الرياح، مشيراً بيده نحو "جبل الصدى". هناك، حيث تضيع الأصوات وتولد المعاني من جديد، تبدأ ملامح المؤامرة الكبرى في التكشف. هل المدينة مجرد انعكاس؟ أم أن الوادي نفسه هو السجن الذي اختاره الجميع طواعية؟
وفي تلك اللحظة، عكست المرايا أزيز طائرة أطباق الوزراء ذوي الوجوه الغريبة التي لم يعهدها أحد، حيث اخترق طنينها على مدى ترحالهم سكان الوادي وأصابهم بالصمم، وهي تهوي لترتطم بالمدارج المتصدعة التي نخرتها جحور فئران الفساد، وذلك حين عجز الفقراء عن الشراء بسبب ارتفاع الأسعار، فغاب وقود الغلاء الذي كان يبقيها محلقة في الأعالي.
بقلم: محمد الأمين ولد يحيى يحياوي. [email protected]




