
يقدّم وزير المالية السابق سيدي أحمد أبوه، في مقاله الذي تداولته اليوم عدة منصات محلية، نقداً منهجياً حاداً لسياسات الحكومة الحالية، وخاصة في ما يتعلق بتسعير المحروقات، إدارة التضخم، ومنهجية “عصرنة نواكشوط” ومشاريع الاستثمار الممولة ذاتياً. في المقابل، تكشف العودة إلى تصريحاته السابقة حين كان وزيراً للاقتصاد والمالية عن نفس مشروع “تطوير وعصرنة العاصمة نواكشوط” عن خطاب تبريري – ترويجي، قدّم فيه المشروع كنموذج ناجح لتنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية، مع نبرة يقين تؤكد أن “لا مجال للفشل” ما دامت الإرادة السياسية متوفرة. بين هذين الخطابين، يتشكل فضاء واسع لتحليل موقع الرجل داخل المنظومة، وحدود التحول في قناعاته، ومدى ما يعكسه هذا التبدل من أزمة أعمق في طريقة صناعة القرار الاقتصادي وخطابه الرسمي في موريتانيا.
ما قاله سيدي أحمد أبوه وهو وزير : في مؤتمر صحفي يوليو 2024، قدّم سيدي أحمد أبوه مشروع "تطوير وعصرنة العاصمة نواكشوط" بوصفه مشروعاً شاملاً لتوفير المياه لجميع الأحياء، وإنشاء 137 كلم من الطرق، بينها طريق دائري بطول 50 كلم، بكلفة 50 مليار أوقية، وبأجل إنجاز لا يتجاوز 16 شهراً، مؤكداً أنه تنفيذ مباشر لتعليمات رئيس الجمهورية. وفي تصريحات أخرى اعتبر أن التخطيط للمشروع تم وفق "مقاربة ناجعة" وأن "لا مجال للفشل" بعد توفر الإرادة السياسية، في خطاب أقرب إلى التسويق السياسي للمشروع وتزكية المقاربة الحكومية آنذاك. هذا الخطاب يضعه بوضوح في موقع المدافع عن خيارات الحكومة، بما في ذلك أولوية الإنفاق على مشروع عصرنة نواكشوط في ذروة النقاش حول ترتيب الأولويات التنموية.
ما يقوله اليوم في مقاله النقدي
في المقال الأخير، يتبنى سيدي أحمد أبوه موقع الناقد لسياسات الحكومة في إدارة الصدمة النفطية والتضخم، ويطرح مفاضلة حادة بين خيارين: استخدام هوامش الميزانية والضرائب البترولية لتسقيف أسعار المحروقات وكبح التضخم، أو إطلاق سياسات تغذي التضخم ثم مطاردته لاحقاً بأدوات نقدية وميزانوية متأخرة. ينتقد رفع سعر الفائدة من طرف البنك المركزي ثم قيام الحكومة بعدها بأسابيع برفع أسعار الوقود وبرمجة إنفاق نقدي وصفقات بالعملة الصعبة، معتبراً ذلك غياباً للتنسيق بين السياسة النقدية والمالية وضرباً للقدرة الشرائية واحتياطات الصرف.
كما يهاجم لائحة المشاريع "الممولة ذاتياً" التي أوردها الوزير الأوَل المختار ولد اجاي، متهماً إياها بالخلط المنهجي بين مشاريع منجزة ومبرمجة، وبإغفال مشروع إعادة بناء طريق الأمل بوصفه أكبر مشروع ممول ذاتياً في البلاد، ويطعن في ملاءمة الإعلان عن مشروع تكميلي لنواكشوط بـ 100 مليار أوقية في فترة أزمة تضخمية، معتبراً صرف الأموال على "مساحيق التجميل" في العاصمة انحرافاً عن أولوية حماية الأسر الهشة والقطاعات الإنتاجية.
يمكن تلخيص التناقض في ثلاثة مستويات:
#أولا| مستوى الخطاب حول "عصرنة نواكشوط": وهو وزير، تبنى خطاباً متحمساً يرى المشروع تجسيداً مباشراً لوعود الرئيس، مع تأكيد على صواب المقاربة وغياب احتمال الفشل. اليوم، يضع نفس المشروع وسياقاته ضمن سلسلة خيارات إنفاق يعتبرها غير متسقة مع أولوية مكافحة التضخم وحماية القوة الشرائية، بل يوحي بأن جزءاً من هذه الاستثمارات أقرب إلى الإنفاق التجميلي في وقت أزمة.
#ثانيا| مستوى المسؤولية عن الأولويات: في المقال يشير إلى أن الفساد وغياب الرؤية وعدم الاكتراث بمستقبل الشعب كانت السبب في ضعف الطاقة التخزينية للمشتقات البترولية، موجهاً إصبع الاتهام لمرحلة كان هو جزءاً من نخبها الإدارية والمالية خلال سنوات سابقة. هنا يظهر تناقض عملي: كان في موقع يسمح بالتأثير في خيارات الاستثمار في التخزين والطاقة، ومع ذلك يتحدث اليوم كمن يقف خارج المنظومة ويتساءل "لماذا انتظرنا كل هذا الوقت".
#ثالثا| مستوى المفهوميات الاقتصادية والسيادة المالية: ينتقد الآن استعمال مصطلح "السيادة المالية" بوصفه ديماغوجياً وغير موجود في الأدبيات الاقتصادية الحديثة، ويستشهد بأمريكا وفرنسا لتبيان استحالة "سيادة مالية" كاملة في اقتصاد منفتح، مع تشديد على أن الدولة الموريتانية لا تملك فعلياً ثرواتها الطبيعية بل تحصل على حصة تعاقدية محدودة. هذا التوصيف يعاكس جزئياً الخطاب الرسمي الذي كان جزءاً منه، والذي ركّز طيلة السنوات الماضية على لغة "تعزيز الاستقلالية المالية" و"تمويل ذاتي للمشاريع" كرمز للقوة والسيادة، حتى وإن لم يستخدم نفس المصطلح لفظاً.
#تفسيرات_سياسية| من زاوية تحليلية، لا يمكن فصل تحول خطاب سيدي أحمد أبوه عن سياقين:
سياق الموقع: انتقل من موقع وزير للاقتصاد والمالية ثم وزير للزراعة والسيادة الغذائية، حيث يكون ملزماً بالانضباط للخط الحكومي والدفاع عن المشاريع المبرمجة، إلى موقع فاعل سياسي ـ تقني خارج الحكومة يتحدث باسمه الشخصي ويخاطب رأياً عاماً متعباً من التضخم وارتفاع الأسعار، ما يسهل تبني خطاب نقدي أكثر استقلالاً.
سياق الصراع داخل النخبة: مقاله موجَّه ضمنياً ضد الوزير الأول المختار ولد اجاي، أحد أبرز وجوه العشرية وأحد الذين أعادوا بناء صورتهم عبر التدوين واستدعاء لغة "الإنجازات الممولة ذاتياً". ما يجعل نقده أيضاً جزءاً من منافسة داخلية على تعريف "منطق" السياسات السابقة والحالية ومن يملك الشرعية للحديث باسم "العقل الاقتصادي" للنظام.
من هنا، يظهر التناقض ليس فقط كتحول فكري، بل كتحول في موقع القوة: من مهندس وسيط يبرر المشاريع إلى ناقد يحاكم ترتيب الأولويات واللغة الديماغوجية حول السيادة المالية و المشاريع ذات التمويل الذاتي.
هل كان جزءاً من الحكومة ولم يقدم شيئاً؟
من الناحية الوقائعية، سيدي أحمد أبوه شغل موقعاً مركزياً في الجهاز الاقتصادي: إطار في المالية، مفتش عام مساعد، اقتصادي بالبنك الدولي، مدير عام للتنمية في منطقة نواذيبو الحرة، ثم مستشار في الرئاسة، ثم وزير للاقتصاد والمالية، ثم وزير للزراعة والسيادة الغذائية. هذه المسيرة تعني أنه كان في قلب عملية صياغة وتنفيذ السياسات الاقتصادية والمالية، خاصة في مرحلة إعادة هيكلة المشاريع الكبرى وبرمجة الاستثمارات الممولة ذاتياً، وبالتالي لا يمكن تقديمه اليوم كـ "معلّق خارجي" لم يتحمل مسؤولية. مع ذلك، القول إنه "لم يقدم شيئاً" تعميم صحفي أكثر منه تقييم تقني؛ فوجوده في هذه المناصب يعني أنه اشترك في إطلاق أو مواكبة عدد من البرامج (منها مشروع عصرنة نواكشوط نفسه ومشاريع تتعلق بالتنمية الجهوية)، لكن سؤال الفاعلية والنتائج يبقى مفتوحاً: هل كانت مساهماته في اتجاه ترشيد الأولويات أم تثبيت منطق الإنفاق السياسي على حساب بناء هوامش الأمان (مثل التخزين البترولي)؟
بالمعيار الأكاديمي، سيدي أحمد أبوه في مقاله الأخير أقرب إلى ما يمكن وصفه "بالتصحيح اللاحق" لأخطاء أو تناقضات بنيوية في السياسات الاقتصادية، خاصة في التنبيه إلى خطورة تغذية التضخم بسياسات مالية غير منسقة مع السياسة النقدية، وضرورة استخدام الضرائب البترولية والهوامش الميزانوية لحماية القدرة الشرائية في أوقات الأزمات. لكن بالمعيار السياسي، هذا التصحيح يأتي متأخراً وبعد أن كان جزءاً من منظومة اتخذت نفس النوع من القرارات التي ينتقدها اليوم، ما يخلق مفارقة بين "الخبير" الذي يحلل و "المسؤول السابق" الذي يبرئ نفسه ضمنياً من مسؤولية الماضي.
ختاما اعترف له بأنه يقدم اليوم نقداً مفيداً لقرارات خطيرة على الاستقرار الاجتماعي، مع التشديد على أن صدقيته السياسية تبقى مشروطة بقدرته على الاعتراف بدوره السابق في إنتاج نفس المنظومة التي يهاجمها، وليس فقط إلقاء اللوم على الفساد و غياب الرؤية كأنهما معطيان خارجيان.
Sultan Elban سلطان البان
06-06-2026
LÔNDON




