اعصبوها برأسي و قولوا جبنَ عتبة" / سيدي علي بلعمش

أربعاء, 10/06/2026 - 19:09

رغم بعد الانتخابات و صعوبة تخيل أجواء مسرحها و ضبابية تحولات المنطقة و العالم و مآلاتها ، بدأت ملامح الأجواء التنافسية على الأقل ، ترتسم بألوان الحذر الهادئة ..

# أهم ما نستنتجه من هذا التسرع الغريب ، باتجاه حدث تفصلنا عنه حدود الأربع سنين ، هو أن مأمورية الخمس سنين خطأ فادح ، لا استقرار معه و لا تنمية (هذا النفس لا يعطي أي فرصة للبناء) ، تماما مثل تحديد عمر الترشح ، الذي وُضِعَ أصلا من أجل حرمان السيد ولد داداه و السيد مسعود ولد بلخير من الترشح ، في ظروف يعرفها الجميع ، ينقصها كل ما تحتاجه لتكون منصفة أو ديمقراطية !!

و هذه أخطاء يبدو الآن من الواضح أن حوار السيد موسى فال الخاضع لشروط من تخدمهم ، يأتي لترسيخها ، لا لرفع ظلمها عن البلد ؛ الخلط في أذهان الكثيرين بين مصلحة النظام و مصلحة الوطن ، ما زال طاغيا في أذهان البعض !!

و الدولة عند هذا البعض تقال للنظام و المعارضة ، لا مكان فيها لصوت ثالث و لا رابع ، رغم أن أكثر المنشغلين اليوم بالهم السياسي هم أجهل الناس بالسياسة و أقلهم وطنية و أكثرهم إيمانًا بعدالة المحاصصة !!

و هذا ما يفسر بوضوح أن أكثر الناس تحمسا لدخول الانتخابات اليوم ، هم أقلهم حظا في الفوز فيها ..

لقد أصبحت الانتخابات في البلد مَوسِمًا تجاريا بامتياز ، فاختلط الحابل بالنابل بسبب أخطاء الانظمة التي تعاقبت على البلد ، لكن محاربة هذا الخطأ تظل حصريا من مسؤولية النظام القائم ..

ثمة ملاحظة لا بد من التنبيه إليها : كل من يمارسون الصراخ السياسي اليوم في المعارضة و الأغلبية و يطرحون شروط الحوار و يهددون ضمنيا بتفجير الساحة ، لن يكون من بينهم من يحتل المكانة الأولى و لا الثانية و لا الثالثة في الانتخابات القادمة !!

و الأيام ليست أمامنا فقط و لكنها وراءنا أيضا و الأقرب و ليس الأغرب ، أنها من حولنا أيضا و في أبهى حللها !!

# هل هذا غباء سياسي لا يملك أصحابه أي قراءة للواقع !؟

# هل هذا ذكاء سياسي ، يريد أصحابه الحصول على مكاسب لا ينتظرونها من أصوات الناخبين !؟

# هل هي تضحيات لم نتعودها منهم ، لترميم أرضية مستقبل أبعد !؟

# أم أن هذه مجرد أسئلة حاقدة ، كما يقولون عادة ، لا تعبر إلا عن إساءة و تزلف صاحبها !؟

# أم أن إخضاع ما يحدث في البلد لأي منطق ، ما زال تطاولا على غيب

استأثر الله بعلمه وحده !؟

يبدو الآن من الواضح أن أهم المترشحين للانتخابات القادمة سيكونون من النخبة السياسية و الفكرية و الثقافية و هذا مكسب وطني مهم و جدير بالتشجيع ؛ إذا نجح أي منهم سيكون الوطن في أمان و إذا عارض سيثري الساحة بكل وطنية و مسؤولية ..

هذه الترشحات المسؤولة ستضفي على الانتخابات القادمة قدرا مهما من الوقار و الاطمئنان ، بعد ما عاشه البلد من فوضى في عقود الضياع المنصرمة ..

# و من أهم ما يلوح في الأفق اليوم ، أنها (الترشحات القادمة) ، ستكون أكثر جدية في صراع وطني ناضج ، لا مكان فيه لبيرام و لا ولد أجاي ؛ لن يحتل فيها بيرام المكانة العاشرة و لن يكون فيها ولد أجاي غير مكلف بمهمة ، إذا انكشفت قتلته و إذا لم تنكشف قتلها !!

لا بد لموريتانيا اليوم ، أن تتجاوز مرحلة استسهال ما لم يعد يُقبلُ في أي بلد آخر : من يكون بيرام و أمثاله ليفكروا في الترشح للرئاسة !؟

و ستكون الانتخابات القادمة مغرية حتما نتيجة سوء التقديرات و صعوبة قراءة الساحة و صعوبة فهم آليات تحريكها ..

كل عقلاء البلد اليوم يفكرون في البحث عن شخصية عسكرية أو قريبة من الجيش في وجه صعود غوغاء هذه المعارضة العبثية التي ما زال وجودها يفرض على الجيش و الأمن التمسك بكرسي ليس فيهم من يريده .

و لـ"صديقنا الملك" (حلف الناتو) رأي أكثر تشددا من عقلاء البلد ، لا بد أن فرنسا أوضحته للرئيس غزواني خلال زيارته الأخيرة لباريس : لا يريد الناتو في موريتانيا غير شخصية متوازنة ، مُجَرَّبة (ذات صلة بالناتو ) ، تضمن استقرار البلد و الحفاظ على علاقاته الإقليمية و الدولية (و هذه رسالة تخفي أكثر مما تقوله بكثير) ، لا شك أن الرئيس يفهمها أكثر من الجميع !!

و كل من لا يبدأ حساباته من هنا يُخرِجُ نفسه من اللعبة !!

و صحيح أن هذا يُسَهِّل أو يُحدد معايير القبول لكنه يُعقِّدها من جهة أخرى بسبب كثرة أصدقاء فرنسا في البلد و قدرتهم على التنافس و الإقناع . و هي رسالة أهم إلى المولعين بالعلاقة المصيرية مع فرنسا و المدافعين عن مصالحها و و ترسيم لغتها ، بأنهم لن يفهموا !!

نقطة ضعف النظام اليوم في خسارة الحوضين . و بترشح شخصيات وازنة في هذه المنطقة التي ظلت خزان انتخاب كل الأنظمة ، يستحيل تمرير مرشح السلطة في الشوط الأول على الأقل و يستحيل أكثر استقطابها لمرشحي المنطقة في الشوط الثاني !!

و من لا يستوعب هذه المُسلَّمة ، يُخرِجُ نفسه هو الآخر من اللعبة !!

إن ضعف حزب الدولة و ميوعة الإدارة و استياء أحزاب الأغلبية (بسبب التهميش) و العمل على تقوية المعارضة العبثية و ضعف الإعلام الرسمي و ارتزاق الإعلام الحر و غياب رؤية مفهومة للنظام و شراسة الفضاء الأخضر المتمرد بطبعه و الازدراء بموريتانيا الأعماق ، كلها أمور تجعل كل ما تفعله السلطات يصب في صالح آخرين دون وعي منها و هذا ما يُعقِّد كل الحسابات في كل الاتجاهات :

ـ كل ما تفعله تآزر يصب في مصلحة إيرا ..

ـ كل ما تفعله السلطات على مستوى تعيين الشباب يصب في مصلحة ولد أجاي ..

ـ كل ما تفعله السلطة من شر محسوب على الرئيس و كل ما تفعله من خير محسوب للقطاع المسؤول عنه ..

لقد غيب الرئيس نفسه فغيبته حكومته ( و هذا هو حكم الجميع على ما يحدث في الساحة على الأقل) ، و إن كان لا يخلو في العمق من ملامح التكتيك المرحلي !!

من الواضح اليوم أن الرئيس لا يرى بوضوح أو لا يهتم على الأقل ، بما يحدث من حوله و ما تعيشه الساحة من غليان ، داخل أغلبيته قبل المعارضة !!

و من واجبنا المقدس اليوم ، أن نقول لفخامة الرئيس أن نظامه انحرف عن كل ما كان هذا الشعب يأمل فيه ، منذ تعيين هذه الحكومة و تمكين رئيسها من رقاب الجميع ، لا بكفاءته و لا بوطنيته و لا بمرونته و لا بغير سوء حظنا المتعثر منذها !!

لم يعد في البلد اليوم ، وزير و لا مدير و لا خبير يتمتع بحرية التصرف في قطاعه و لا حرية التصرف في ميزانيته و لا بحرية اختيار معاونيه ؛ فما حاجة فخامتكم إلى أبواء إذا حضروا لا يُسألون و إذا غابوا لا يُسألُ عنهم !؟

يعتمد الرئيس غزواني على سياسة مد و جزر تأخذ منك كل ما تعطيك .. تُفهمك كل شيء و عكسه .. تتركك أمام لغز ؛ تظلمه إذا أخذت منه موقفا و تظلم نفسك إذا لم تأخذه !!!

نحن أمام رجل يفكر بعمق و يتدبر الأمور بهدوء ، لا تفوته شاردة في البلد و لا يُهمِل واردة ..

قارئ جيد ، فهَّامة فطن و محاور ذكي !!

يهزم أعداءه بالصبر و يتقي غدر حلفائه بالتريث و الغموض ..

تعتقد الزمنَ يَجرفه و هو من يجتره و تحسبه نائما و عينه من ورائك ..

مختلف في كل شيء إلا في سلوكه و أخلاقه ..

متصالح مع نفسه في كل شيء إلا في قراراته المحيِّرة ..

تَسامُحه يخدع الجميع .. تحامله فن تراكم بديع !!

بالتقادم يسجل أهدافه و بالتصاون يكسب معاركه !!

لكل منا رأي مختلف فيه و ليس له فينا سوى محاولة "إرضاء الجميع" مع إدراكه أنها "غاية لا تدرك" !!