
.حين يُذكّر أحدهم مسؤولاً بأن الزمن مضى، وأن جيلاً جديداً بات يطرق الأبواب، وأن التقاعد السياسي ليس إهانةً بل سُنّةٌ طبيعية في دورة الحياة العامة — يتحوّل هذا التذكير فجأةً إلى “هجوم شخصي” في مخيلة المعني بالأمر، وتُستنفَر له المعاجم وكُتّاب الدفاع.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا؟
المشكلة الجوهرية أن بعض المسؤولين باتوا يُماهون بين وظيفتهم وذواتهم، فأي نقد للأداء أو دعوة للتجديد تُقرأ عندهم تلقائياً باعتبارها طعناً في الشخص لا مراجعةً للدور. وهذا خلط خطير يعكس غياب الثقة بالنفس خارج دائرة السلطة، ويكشف أن المنصب لم يكن وسيلةً بل غايةً في ذاتها.
والأكثر إثارةً للاستغراب هو الموقف من التدوين والكتابة الرقمية؛ إذ يُبادر بعض هؤلاء المسؤولين إلى ذم الكُتّاب والمدونين، ووصف ما يُنتجونه بأنه “إسفاف” أو “إثارة رخيصة” أو “هجمات مأجورة” — ثم لا يلبثون أن يلجأوا إلى نفس الأدوات حين تضيق بهم الخيارات: منشورات مدفوعة، وبيانات صاخبة، وصفحات مجهولة تتولى الرد نيابةً عنهم.
الفارق الوحيد أنهم يمارسون نسخةً أدنى جودةً ومستوىً من تلك الكتابة التي طالما هاجموها — بلا حجة راسخة، وبلا أسلوب متماسك، وبلا شجاعة التوقيع باسم حقيقي.
ينبغي أن يُقال بوضوح: التذكير بالتقاعد ليس شتيمةً، والدعوة إلى التجديد ليست مؤامرة. التقاعد السياسي حق مشروع للمجتمع، وهو في أكثر الديمقراطيات نضجاً فضيلةٌ وليس عاراً. المسؤول الذي يُهدد ويستنفر لمجرد أن أحدهم تساءل: “ألم يحنِ وقت الرحيل؟ يُؤكد بردّ فعله هذا أن التساؤل كان في محله.
Sultan Elban سلطان البان
LONDON




