
غالباً ما يبدأ تدوين التاريخ الحديث في موريتانيا مع وصول طلائع الاستعمار الفرنسي، حيث حظيت الشخصيات المعاصرة لتلك الفترة بانتشار واسع بفضل الأرشيف المكتوب. لكن هذا المنهج ظلم كوكبة من فرسان الصحراء الكبار الذين عاشوا ورحلوا قبل دخول المستعمر، فبقيت ملاحمهم حبيسة الذاكرة الشفهية المهددة بالزوال. ومن أبرز هؤلاء الأبطال الذين ظلمهم التاريخ، الفارس والزعيم سيدي أحمد ولد أحمد الكنتي، من عشيرة أولاد سيدي حبيب الله الكنتية العريقة في تكانت.
ومضة خاطفة في ليل "السيبة"
لم يعمر سيدي أحمد ولد أحمد الكنتي طويلاً؛ إذ رحل عن دنيانا في ريعان شبابه، فلم يتعدّ عمره الخمسة وثلاثين عاماً. ورغم قصر هذه التجربة الزمنية، إلا أنها كانت كافية لكي يفرض نفسه كقائد عسكري وسياسي فذ، استطاع بحنكته ولمسته الروحية جمع شمل كنتة الغربيين قاطبة وتوحيد كلمتهم في وقت كانت المنطقة تموج بالاضطرابات والصراعات القبلية الطاحنة.
معركة الإنقاذ وحماية حِمى الجار
تجلت فروسية البطل في أبهى صورها عندما عصفت الخلافات الداخلية بإمارة إدوعيش القوية، حيث تآمر بعض الأعمام وأبناء العمومة لتصفية الأمير سويد أحمد بن محمد (والد الأمير بكار) جسدياً للاستئثار بالمشيخة.
ومن الجدير بالذكر أن الأمير سويد أحمد بن محمد كان قد تربى في أحضان قبيلة "كنتة"، وتحديداً في بيت سيدي أحمد ولد أحمد الكنتي؛ حيث حرصت والدته على حمايته هناك بعد أن رأت حقد أعمامه وأبناء عمومته عليه. وقد نشأت بينه وبين سيدي أحمد ولد أحمد علاقة صداقة وطيدة كونهما متعاصرين.
وعندما اشتدت الأزمة وحلّ الأمير سويد أحمد بن محمد ضيفاً مستجيراً بـ "قصر البركة"، هبّ سيدي أحمد ولد أحمد الكنتي -صديقه القديم وحليفه- كالإعصار لحمايته. وقاد بنفسه معركة عسكرية طاحنة ودموية ضد خصوم الأمير، مستبسلاً بفرسانه حتى دحر المتآمرين وأعاد الأمير سويد أحمد بن محمد ظافراً إلى عرش مشيخته.
صهر الدم والرحم: أم الخيرات
لم يكن سيدي أحمد يبتغي بفروسيته مجداً عابراً، بل أراد بناء سلام مستدام في تكانت؛ وتتويجاً لنجدته البطولية وصنيعه النبيل، تلاحم البيتان بالدم والرحم؛ حيث تزوج الأمير بكار (ابن سويد أحمد بن محمد) من السيدة الفاضلة أم الخيرات بنت سيدي أحمد ولد أحمد الكنتي.
هذا الزواج أسس لرابطة خؤولة مقدسة ووثيقة بين إمارة إدوعيش وقبيلة كنتة، لتتحول الصراعات القديمة إلى حلف استراتيجي متين حفر مجراه عميقاً في وجدان المنطقة وأمّن سلمها الأهلي.
رحيل باكر ودموع التراث
وعند رحيله المفاجئ والمبكر، اهتزت أركان تكانت لوعةً على هذا الفارس الذي كان يمثل عماد القبيلة وحامي حمى الجار والناصر في الملمات، وفي ذلك يقول الشاعر الشعبي بمرارة واختصار يختزل حجم الفاجعة:
لِذَاكْ لَا يِتْقَاصَرْ عَنْدْ مْنَيْنْ تُوَفَّى سِيدِي أَحْمَدْ
يِتَّمَتْ كُنْتَتْ وْيِتَّمْ نَاصِرْ مَشْظُوفْ وْ وَلَدْ سِوَيْدْ أَحْمَدْ
لماذا ظلم التاريخ هذا البطل؟
لأن رحيله الباكر سبق دخول المستعمر الفرنسي بعقود، فلم تدون تقارير "كبولاني" أو ضباط "سان لويس" اسمه في دفاترهم. لكن هذا التعتيم المكتوب لا يلغي حقيقة أن الحلف المتين والخؤولة التي هندسها سيدي أحمد بدمه ورحمه، هي التي تسلّح بها ابنه الفارس سيدي محمد ولد سيدي أحمد لاحقاً ليقود لواء المقاومة ضد المستعمر جنباً إلى جنب مع أبناء أخته من أمراء إدوعيش.
لقد رحل سيدي أحمد ولد أحمد الكنتي وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، لكنه ترك خلفه تاريخاً من البطولة والوفاء يستحق اليوم -أكثر من أي وقت مضى- أن يُنفض عنه غبار النسيان ويُحفظ باسمه ونسبه الكنتي الأصيل ليتصدر الذاكرة الوطنية المعاصرة.




