سكوت وزارة التجارة عن جرائم المواد الغذايئة تواطؤ رسمي أم عجز هيكلي يبين انها  شريكة وليست حامية

اثنين, 10/08/2026 - 19:05

عندما يتحول رغيف الخبز أو علبة الدواء أو سلعة غذائية أساسية إلى "قنبلة موقوتة" تهدد حياة العائلات، فإن النقاش يتجاوز بكثير مجرد كون المنتجات منتهية الصلاحية؛ إنه يدخل في صميم أزمة أخلاقية ومؤسسية عميقة تضع الدولة ومؤسساتها الرقابية في قفص الاتهام.

القول بأن دور وزارة التجارة أو الجهات المعنية بحماية المستهلك يقتصر على "البيانات الوردية" لخداع الرأي العام ليس مجرد اتهام عاطفي، بل هو تجسيد لواقع مرير يشعر فيه المواطن بأنه يُترك وحيداً في مواجهة شبكات مافيا التجارة الفاسدة.

أولاً: لماذا يشعر المواطن أن الجهات الرقابية شريكة وليست حامية؟

حين تتكرر فضائح المواد الغذائية الفاسدة والفطريات والمواد المنتهية الصلاحية التي يُعاد تدويرها وبيعها علانية في الأسواق، يبرز تساؤل مشروع: أين كانت هذه الوزارات قبل وصول السم إلى موائد المستهلكين؟

اقتصاد الإفلات من العقاب:

حين تقتصر العقوبات على غرامات مالية زهيدة أو إغلاق شكلي لأيام معدودة، فإن التاجر الفاسد يحسبها بلغة الأرقام البحتة: "مكسب بيع البضاعة الفاسدة يغطي قيمة الغرامة أضعافاً مضاعفة". هذا يطرح شكوكاً حقيقية حول جدية المنظومة التشريعية والقضائية، وهل هي فعلاً تحمي المستهلك أم توفر غطاءً قانونياً مخففاً لجرائم التجار؟

البيانات الاستعراضية مقابل العقم الميداني:

تُطالعنا الوزارات دورياً بأرقام فلكية عن أطنان المواد المصادرة، لكن السؤال الساخن هو: إذا كنتم تضبطون كل هذه الكميات، فلماذا تتكرر الظاهرة بنفس الكثافة والوقاحة في كل موسم وكل عيد؟ هذا يكرس الانطباع بأن الحملات الرقابية مجرد "فقاعات إعلامية" ومسرحيات موسمية تهدف لامتصاص غضب الشارع فقط، لا لتفكيك شبكات الفساد من جذورها.

التستر على أسماء الحيتان الكبرى:

عادةً ما تكتفي الجهات الرسمية بنشر بيانات مبهمة (مثل ضبط مستودع لمخالفات تجارية دون ذكر اسم الشركة أو العلامة التجارية الكبرى المتورطة)، بينما يتم التشهير بالباعة الجائلين أو المحلات الصغيرة. هذا التستر الممنهج على "الحيتان الكبرى" وشركات التوزيع الضخمة يغذي اليقين بأن هناك مصالح مشتركة أو نفوذًا يحمي الفاسدين الكبار على حساب صحة المواطن البسيط.

ثانياً: العمق البيولوجي والاقتصادي لهذه الجريمة

خطر المواد منتهية الصلاحية ليس طارئاً عابراً، بل هو سلاح بطيء المفعول يتم توجيهه عمداً للمستهلك:

التدمير الممنهج للصحة العامة: التسمم لا يقتصر على نوبة قيء وإسهال حادة، بل يتعداه إلى تراكم السموم داخل الجسم (مثل الأبافلاتوكسين والسموم الفطرية الناتجة عن تعفن المواد)، والتي تعمل ببطء لتدمير خلايا الكبد، الفشل الكلوي المزمن، وإحداث الطفرات الجينية المؤدية للسرطان.

الجشع الرأسمالي المتوحش: في ظل الأزمات الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، يعمد بعض التجار عديمو الضمير إلى شراء البضائع التي اقتربت صلاحيتها أو انتهت فعلاً بأسعار بخسة جداً، ليبيعوها للفئات الفقيرة والمتوسطة التي تبحث عن السعر الأرخص، مما يعني أن فقر المواطن يُستخدم ضده كسلاح لإبادته بطريقتين: جيبه وصحته.

ثالثاً: ما هو المطلوب ليكون الدور حقيقياً وجذرياً؟

لكي يتحول دور وزارات التجارة والرقابة من "ديكور إداري" يحمي التاجر إلى درع حقيقي يحمي المواطن، يجب كسر قواعد اللعبة الحالية واتخاذ قرارات مرعبة للفاسدين:

تجريم الغذاء الفاسد كـ "جريمة قتل عمد موصوفة": تعديل القوانين لتصبح عقوبة بيع مواد منتهية الصلاحية السجن النافذ الطويل والمشدد لكل من تورط (مدير، مالك، وموزع)، مع مصادرة أموالهم الخاصة التي جمعوها من هذه التجارة القذرة لتعويض الضحايا.

التشهير العلني الإلزامي: إلغاء سياسة الستر والأسماء الرمزية، ونشر أسماء الشركات، والمصانع، والمحلات المخالفة وصورها في وسائل الإعلام الرسمية والمنصات الرقمية ليكونوا عبرة لكل تسول له نفسه العبث بصحة البشر.

الرقابة المجتمعية الموازية: تمكين جمعيات حماية المستهلك المستقلة والمواطنين من الرقابة.....الاعلامي