تقرير: اختفاء الفتيات في موريتانيا - بين الوهم الأمني والحقيقة الاجتماعية

سبت, 15/08/2026 - 10:28

أولا: حجم الظاهرة - هل نحن أمام اختطاف جماعي؟

 حسب كل البيانات الرسمية، موريتانيا لا تعرف شبكات اختطاف منظمة للفتيات. الشرطة الوطنية نفت نفيا قاطعا في أبريل 2026 شائعات اختطاف الأطفال في نواكشوط وقالت إنها عارية من الصحة بعد انتشار تسجيلات صوتية.

ما نراه هو موجة اختفاء إرادي متقطع أصبحت مرئية جدا بسبب فيسبوك. ثلاث قضايا في 4 أشهر فقط كشفت النمط:

قضية منى بنت الشيخ محمدو (15 سنة): تصدرت الرأي العام، ثم أعلنت أسرتها العثور عليها سالمة مع غموض يحيط بالملابسات وغياب رواية رسمية كاملة.

قضية خديجة (2007 - تيارت): غادرت منزلها الساعة 2 صباحا في ظروف غامضة، وجدتها الشرطة في روصو صحبة شاب من مواليد 2002 كان تقدم لخطبتها سابقا.

قضية رباط البحر: فتاة اختفت رفقة صديقتها، الشرطة أكدت أن الواقعة لم تكن اختطافا بل اختفاء إرادي بعد عمليات بحث وتحري.

قضية سكينة الأخيرة تدخل تماما في نفس السيناريو: فتاة تخرج من منزلها في بوادي انشيري دون أن يوجد لها أثر وينتشر الخبركالهشيم في النار تبدأ فرق البحث

شارك فيه عشرات السيارات والرجال وفرقة من الدرك الوطني بطائرات  المسيرة الدرن بعد تدخل الاستخبارات عثر عليها مع عمها في مقاطعة مقطع لحجار التي تبعد مئات الكلو مترات من مكان اختفائها.

ثانيا: التصنيف العلمي للحالات في موريتانيا

الدراسات الاجتماعية تقسم هروب الفتيات إلى 4 أنواع، وكلها موجودة عندنا:

 

1. الهروب العاطفي (60% من الحالات): حسب بحوث اجتماعية، السبب الرئيسي للهروب في الريف هو العلاقات الغرامية بنسبة 60%. هذا يفسر قضية روصو.

 

2. الهروب من القمع الأسري (25%): بسبب القسوة وعدم وجود الأب والعنف الشديد المسلط على الفتيات. في موريتانيا يتقاطع هذا مع ظاهرة تزويج الفتيات في سن 12 سنة الذي يتفاقم، رغم أن مدونة الأحوال الشخصية تحدد السن بـ 18 سنة لكن القانون يضع استثناءات بيد أولياء الأمور تتيح تزويج القاصرات قبل السن القانونية.

 

3. البحث عن هوية بديلة والاستقطاب المتطرف: بعض الباحثين يقول"عوامل تدفع بعض الفتيات للالتحاق بالمجموعات المتطرفة، تتراوح بين التهميش والتمييز الاجتماعي، إضافة إلى الضغوط الأسرية مثل العنف والقمع، وقد تجعل الفتيات يبحثن عن هوية بديلة، وهو ما تستغله الجماعات عبر وسائل التواصل". وهذا ما حدث مع القابلة المتدربة التي ضُبطت في باسكنو على الحدود مع مالي أثناء محاولتها مغادرة البلاد بمحض إرادتها.

4. هروب من أجل الشهرة والعمل (10%): حالات لفتيات من الأرياف شوهدن يبحثن عن عمل في نوادي اجتماعية بعد مغادرة دوار أهلهن بإرادتهن.

ثالثا: الجذور العميقة - لماذا تهرب بناتنا؟

الظاهرة ليست أمنية، بل هي مرآة لأزمات بنيوية:

أ. قانوني: موريتانيا سنّت تشريعات تحظر الممارسات الضارة مثل زواج الأطفال وختان الإناث، لكن خبراء الأمم المتحدة حذروا في 2023 أن الثغرات لا تزال تعيق التقدم. قانون مكافحة العنف ضد النساء (55 مادة) يجرم الاغتصاب والتحرش والاحتجاز والابتزاز وزواج الأطفال، لكنه ما يزال معطلا في البرلمان بسبب ضغط المجتمع التقليدي الذي يعتبره مساسا بأعرافه. ونتيجة لذلك، معدلات تسرب الفتيات 39% بسبب زواج الأطفال و 18% بسبب حمل المراهقات.

 

ب. نفسي واجتماعي: التفكك الأسري، إدمان ولي الأمر، غياب القدوة الحسنة داخل الأسرة، كما قال المدير العام للشؤون الاجتماعية في دراسة خليجية مشابهة، يؤدي إلى أن "هروب الفتاة من بيت ذويها يفتح عليها وعلى أسرتها مشاكل يصعب احتواؤها". والفتاة في المجتمعات الذكورية تواجه ضغوطا وتناقضات ثقافية ونزاعات دائمة.

 

ج. رقمي: فيسبوك يحول اختفاء فردي عادي إلى ذعر جماعي. نشر صورة الفتاة ومعلوماتها قبل إبلاغ الشرطة يدمر سمعتها ويعطي فرصة للمبتزين لطلب فدية وهمية.

 

رابعا: كيف يعالج المجتمع الموريتاني الظاهرة حاليا؟ ولماذا يفشل؟

المعالجة التقليدية الفاشلة:

 

الفضيحة والستر: إرجاع الفتاة بسرعة وتزويجها لمن هربت معه لستر العار، دون معالجة السبب.

اللوم على الضحية: معاملة الناجيات من العنف كمشتبه بهن، كما وثقته هيومن رايتس ووتش، حيث طالبت موريتانيا بالتوقف عن معاملة الضحايا كمشتبه فيهن.

التكتم: عدم وجود رواية رسمية كاملة يترك المجال للشائعات.

المعالجة الصحيحة - خطة على 4 مستويات:

 

1. للدولة:

 

تفعيل شرطة حماية القاصرات: مراجعة كاميرات المراقبة فورا كما حدث في قضية شارع طب إيطاليا أثبتت نجاعتها.

إنشاء سجل وطني للمفقودين وبيان يومي رسمي.

المصادقة على قانون العنف ضد المرأة وتجريم الابتزاز الإلكتروني وطلب الفدية الكاذب.

تفعيل المرصد الوطني لحقوق المرأة الذي طالب بتفعيل القوانين التي تحمي الفتيات.

2. للأسرة (بيت أهل سكينة):

 

لا تنشروا الصورة قبل الاتصال بالشرطة.

افتحوا حوارا لا محاكمة عند عودتها. اسألوا: لماذا أردتِ المغادرة؟

مراقبة تربوية للهاتف، ليس تفتيشا بوليسيا.

3. للمجتمع المدني والمساجد:

 

خطب الجمعة عن حرمة تزويج القاصرات بالإكراه.

إنشاء مراكز استماع آمنة تديرها جمعيات نسائية، كما أوصت هيومن رايتس ووتش بإنشاء ملاجئ قصيرة وطويلة الأمد.

4. للإعلام:

 

التوقف عن نشر مصطلح "اختطاف" قبل بيان الشرطة. استخدموا "اختفاء".

حماية هوية القاصر وعدم نشر اسمها الكامل.

الخلاصة: قضية سكينة ليست جريمة اختطاف، بل هي جرس إنذار. الفتاة لم يخطفها أحد من الشارع، بل خطفها شعورها بأن البيت لم يعد آمنا، أو أن حلمها في مكان آخر. إذا عالجنا سكينة بالستر والضرب، ستتكرر بعد شهر مع منى أخرى وخديجة أخرى. إذا عالجناها بالاستماع والقانون، نكون قد بدأنا نعالج موريتانيا.

وكالة الاعلامي....قسم التحقيقات