نحو مقاربة أكثر شمولاً وعمقاً في تقارير الرقابة الحكومية

أحد, 16/08/2026 - 09:29

قسم التحقيقات وكالة الاعلامي

.إن الرغبة في أن تكون تقارير المفتشية العامة للدولة أو أجهزة الرقابة بشكل عام أكثر شمولاً وعمقاً وأكثر جرأة في موريتانيا، تنطلق من وعي متزايد بأن مكافحة الفساد لا يمكن أن تحقق أهدافها الحقيقية طالما ظلت المقاربات الرقابية حبيسة التوصيفات الإدارية العامة.

ولتحقيق ذلك الانتقال النوعي من "التقارير التحفظية" إلى "التقارير الرادعة الشاملة"، يجب الغوص في الأبعاد الهيكلية، والمالية، والمؤسسية، والقانونية التالية:

أولاً: الشمولية الموضوعية والميدانية (الذهاب أبعد من السطح)

العمق الحقيقي يقتضي ألا يقتصر التقرير على تتبع الأخطاء المحاسبية الشكلية (مثل غياب بعض الفواتير أو الأخطاء في الترقيم)، بل يجب أن يمتد ليشمل:

تتبع سلاسل اتخاذ القرار: فك تشابك القرارات الوزارية، ومجالس الإدارة، واللجان الخاصة التي ساهمت في منح صفقات مشبوهة أو تمرير مشاريع متعثرة.

التقييم الفعلي للأثر الاقتصادي: لا يكفي القول بأن مشروعاً ما عرف خروقات، بل يجب قياس حجم الضرر الذي لحق بالتنمية المحلية وبحياة المواطنين (كمشاريع المياه، الطرق، والخدمات الصحية التي تتعثر رغم صرف ميزانياتها).

شمول القطاعات الحساسة بجرأة: التركيز المستمر على القطاعات الكبرى والسيادية والاستراتيجية (كالصيد، والمعادن، والطاقة، والصفقات الكبرى للبنية التحتية) دون استثناء أو حصانة لمؤسسة دون أخرى.

ثانياً: العمق المؤسسي والقانوني (معالجة جذور الخلل)

لكي يكون التقرير ذا قيمة مضافة مستدامة، ينبغي أن يربط الحالات الفردية بالثغرات الهيكلية التي تسمح بحدوثها:

كشف قصور الرقابة الداخلية: تسليط الضوء على المسؤولين المباشرين عن المراقبة المالية داخل الوزارات والمؤسسات (المراقبون الماليون، المحاسبون) الذين أخفقوا في الإبلاغ المبكر عن التجاوزات.

إبراز عيوب النصوص التنظيمية: الإشارة الواضحة إلى الثغرات في قانون الصفقات العمومية أو قوانين الميزانية التي تستغلها شبكات المصالح للالتفاف على القانون بطرق قانونية ظاهرها سليم وباطنها استنزاف للمال العام.

 

تحديد نوعية المسؤولية بدقة: التمييز الصريح بين الخطأ الإداري الناتج عن الجهل أو ضعف الكفاءة، وبين الفساد العمدي وسوء الاستغلال الممنهج للسلطة.

 

ثالثاً: الشجاعة المؤسسية في الإفصاح والشفافية

إن وصف العبارات بـ "الخجولة" مرده الخوف من الكلفة السياسية أو الاجتماعية للتسمية، غير أن العمق والشمولية يستوجبان:

الوضوح التام في أسماء المتورطين: طالما توفرت الأدلة الدامغة والقرائن الثابتة عبر تدقيق مهني، فإن حجب الأسماء يضعف الردع العام. الشجاعة الرقابية تقتضي أن يعلم المجتمع من أضر بمقدراته باسم الوظيفة العمومية.

متابعة مآلات التقارير (الحلقة المفقودة): الشمولية الحقيقية لا تنتهي بصدور التقرير ونشره، بل تستوجب تقريراً دورياً مرافقاً يجيب عن الأسئلة المصيرية:

كم استُرِدّ من الأموال المنهوبة أو المبددة؟

كم عدد الملفات التي أحيلت إلى العدالة؟

ما هي الأحكام التي صدرت بحق المفسدين؟

رابعاً: البعد المجتمعي والإعلامي للرقابة

حق الوصول إلى المعلومات: يجب أن تُتاح التقارير للباحثين، والصحافة الاستقصائية، والبرلمان بصيغ قابلة للتحليل والتمحيص، وليست مجرد بيانات مقتضبة تخضع للتأويلات.الوعي الرقابي الشعبي