
أولاً: السياق الزمني والسياسي للخطوة
يأتي إطلاق تيار «واثقون»، برئاسة وزيرة التجارة والسياحة زينب بنت أحمدناه، لمهرجان المطالبة بمأمورية جديدة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في ظرفية سياسية بالغة الدقة. فتحت شعار «سبع سنوات من الإنجاز.. مسيرة تتواصل» (مستندة إلى محطة 1 أغسطس 2019 كبداية للتنصيب الرئاسي)، تتجاوز هذه المبادرة مجرد الاحتفال البروتوكولي لتشكل إعلاناً مبكراً عن تدشين مرحلة التعبئة المبكرة، مما يعيد خلط أوراق المشهد السياسي ويحرك المياه الراكدة في صفوف الأغلبية الرئاسية.
ثانياً: القراءة النقدية والتحليلية للموقف والأبعاد
1. ظاهرة "المبادرات الوزارية" وإشكالية ازدواجية الأدوار
تطرح قيادة وزيرة في الحكومة لحراك سياسي حزبي أو تياري يطالب بالتمديد أو مأمورية جديدة إشكالية تقليدية متجددة في المشهد الإداري والسياسي الموريتاني:
- تخوم الإدارة والسياسة: يكشف التحرك عن الخط الفاصل (غالباً ما يكون ضبابياً) بين العمل الحكومي المؤسسي المنوط بالوزراء لخدمة الصالح العام، والعمل السياسي الحزبي والتعبوي.
- رسائل الضغط الداخلي: تعكس هذه المبادرات صراع نفوذ مبكر داخل معسكر الأغلبية الحاكمة، حيث تسعى الشخصيات الوازنة والوزراء النافذون إلى حجز مواقع متقدمة في خارطة الولاء السياسي، وإثبات الوزن الانتخابي والتعبوي لضمان البقاء أو تعزيز الحظوة في أي تعديلات حكومية أو استحقاقات مستقبلية مرتقبة.
2. خطاب "الاستمرارية مقابل التغيير": التبريرات والأطروحات
ارتكزت دعوة الوزيرة على مسوغ أساسي مفاده أن «السنوات الس2بع الماضية شهدت إطلاق مسار جديد للبلاد، وأن مواصلته تحتاج إلى مزيد من الوقت». نقدياً، يمكن تفكيك هذه الإستراتيجية الخطابية إلى مسارين:
- خطاب الإنجاز والاستقرار: يراهن التيار على ورقة الاستقرار السياسي والأمني الذي ميز عهد الغزواني مقارنة بمحيط إقليمي مضطرب، فضلاً عن التركيز على البرامج الاجتماعية والتوجه التهدئوي الذي طبع السنوات الماضية.
- إشكالية المدي الزمني: إثارة ملف "الحاجة إلى مزيد من الوقت" تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً ببطء وتيرة الإنجاز الهيكلي أو صعوبة التحديات الهيكلية الكبرى (الاقتصادية والاجتماعية)، مما يجعل التذرع بضيق الوقت مبرراً لاستمرار السياسات، وهو ما تدفع به عادة القوى المعارضة للتدليل على تعثر الإصلاحات الجذرية.
3. مفهوم "الحراك الجامع والمسؤول": محاولة لاحتواء الاستقطاب
وصف بنت أحمدناه للحراك بأنه «جامع ومسؤول» يعكس رغبة مبطنة في هندسة خطاب سياسي غير صدامي، يتجنب إثارة الحساسيات الحزبية الحادة أو التسبب في انقسامات داخلية مبكرة داخل الأغلبية (وخاصة مع حزب الإنصاف). إنه محاولة لتأطير الطموح السياسي ضمن قوالب التوافق المزعوم، تفادياً لأي تفجير للخلافات البينية قبل نضوج التوافق الشامل داخل مؤسسة الرئاسة وحاضنتها السياسية.
ثالثاً: التداعيات الاستراتيجية على المشهد الموريتاني
- إعادة تمركز الفاعلين السياسيين: ستشكل هذه الخطوة قطب رحى لدفع بقية التيارات، والشخصيات الوازنة، والأحزاب الموالية، إلى الخروج من دائرة التردد والمسارعة لإعلان مواقف مماثلة، مما قد يفرز خارطة تحالفات جديدة استعداداً للمرحلة المقبلة.
- استفزاز المعارضة وتصلب مواقفها: من المرجح أن تقرأ قوى المعارضة والأحزاب الرافضة لسياسات النظام الحاكم في هذه الدعوات المبكرة إشارة سلبية تؤكد استمرار نهج توريم السلطة التنفيذية للعمل السياسي، مما سيزيد من حدة الخطاب المعارض المندد بالانشغال بالاستحقاق السياسي على حساب الأزمات المعيشية الملحة للمواطنين.
- اختبار تماسك الأغلبية: سيبقى الرهان الحقيقي مرتبطاً بمدى قدرة النظام على ضبط إقاع هذه المبادرات وتحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية والاصلاح، دون أن تتحول إلى صراعات أجنحة ضيقة




