دلالات حراك "لعصابة": اختبار مبكر للمشهد السياسي ومعضلة التعديلات الدستورية / الياس محمد

خميس, 20/08/2026 - 18:18

تأتي التظاهرة الحاشدة التي نظمها منتخبو وفاعلو حزب "الإنصاف" الحاكم في ولاية لعصابة، بمشاركة وزراء ومسؤولين كبار، والمطالبة بتعديل دستوري يتيح للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الترشح لمأمورية ثالثة، لتشكل محطة مفصلية تعيد خلط الأوراق في المشهد السياسي الوطني. ولا يمكن قراءة هذا الحراك بمعزل عن السياق العام، بل يفرض قراءة معمقة لأبعاده على مستويات عدة:

1. إيعاز أم اجتهاد محلي؟ رسائل المعسكر الحاكم

في العرف السياسي للنظم التقليدية، نادراً ما تتحرك حشود بهذا المستوى من التمثيل الحكومي والنيابي دون تنسيق أو إشارات ضمنية. يعكس هذا التحرك صراعاً خفياً داخل الأغلبية بين تيارين:

تيار الاستمرارية: الذي يرى في استمرار النهج الحالي ضرورة لاستكمال المشاريع الكبرى وضمان الاستقرار.

تيار التمسك بالمؤسسات: الذي يفضل الالتزام بالوثيقة الدستورية وصون المكاسب الديمقراطية.

ورغم تمسك الخطاب الرسمي بالدستور، فإن هذه المبادرات تُستخدم غالباً كأداة "لجس نبض" الشارع والنخبة السياسية، مما يضع الرئيس أمام اختبار حقيقي لتأكيد أو نفي هذه التوجهات.

2. مأزق الحوار الوطني وثقة المعارضة

يتزامن هذا الحراك مع مخاضات معقدة يعيشها مسار الحوار السياسي الشامل المتعثر بين الأغلبية والمعارضة. إن طرح ملف المأموريات وتعديل المواد الدستورية المحصنة ينسف "الخطوط الحمراء" التي تقف عندها أحزاب المعارضة، والتي تعتبر التناوب السلمي على السلطة حجر الزاوية لأي توافق وطني. ومثل هذه التحركات الجهوية قد توصد الأبواب أمام أي مساعٍ جادة لإرساء ثقة متبادلة، وتدفع المعارضة نحو مزيد من التصلب والتشكيك في جدوى طاولات الحوار.

3. هل البلد على مفترق طرق خطير؟

تقف موريتانيا اليوم عند منعطف دقيق يتجاذب فيه خياران رئيسيان:

خيار الاستقرار التنموي: الذي تبرره الأغلبية بحاجة البلاد إلى تعزيز الاستقرار السياسي وحماية مسار التنمية المستدامة.

خيار الاستقرار الديمقراطي: الذي تحذّر المعارضة من التفريط فيه، معتبرة أن المساس بالمقتضيات الدستورية الأساسية يشكل مغامرة غير محسوبة العواقب قد تعيد إنتاج أزمات الاستقرار المؤسسي في المنطقة.

إن إصرار القواعد الحزبية على فتح هذا الملف الحساس يعيد طرح تساؤلات كبرى حول قدرة النعوت السياسية على التوازن بين طموحات البقاء وضمانات التحول الديمقراطي المستدام.