يمثل تقييم أداء حكومة الوزير الأول المختار ولد أجاي في موريتانيا مادة خصبة للتحليل العميق، خصوصاً عند تقاطع التعهدات الإصلاحية الكبرى مع هلع الأزمات البنيوية المتفجرة. ورغم سعي الحكومة لتبني سياسات صارمة في الرقابة الإدارية وترشيد النفقات، إلا أن مسارها اصطدم بعثرات واضحة في قطاعات حيوية حساسة مست مباشرة المعيش اليومي للمواطن.
وفيما يلي تحليل معمق للمجالات والملفات التي واجهت فيها الحكومة إخفاقات أو تحديات هيكلية حادة:
أزمة الكهرباء والطاقة (العجز الهيكلي وهشاشة الشبكات)
تجليات الفشل: شكلت الحرائق المزدوجة التي طالت محطتي تحويل رئيسيتين في العاصمة نواكشوط وأغرقت المدينة في ظلام دامس لأيام، اختباراً قاسياً كشف عن هشاشة بالغة في البنية التحتية لقطاع الطاقة.
العمق التحليلي: أظهرت الأزمة بوضوح بطء الاستجابة الاستباقية لتحديث شبكات التوزيع وصيانتها، وعجز الخطط الحكومية عن تأمين خطوط إمداد بديلة ومؤمنة بالكامل تحمى العاصمة من الشلل التام عند أية طارئ فني. ورغم لجوء الحكومة لتشكيل لجان تحقيق وإطلاق وعود بمضاعفة الإنتاج، إلا أن الثقة الشعبية اهتزت بفعل تكرار الانقطاعات وتأخر جاهزية المنظومة.
قطاع الماء الصالح للشرب (أزمة العطش المزمن)
تجليات الفشل: تعاني أحياء واسعة من نواكشوط والمدن الداخلية من انقطاعات متكررة ومتواصلة لشبكات المياه، مما يجبر المواطنين على الاعتماد على صهاريج البيع بأسعار باهظة تثقل كاهل الطبقات الهشة.
ق التحليلي: فشلت السياسات المتعاقبة -بما فيها حقبة الحكومة الحالية- في حسم أزمة المياه المرتبطة بمشروع آفطوط الساحلي أو توسعة شبكات التوزيع الداخلية. ويُعزى هذا الإخفاق إلى غياب التخطيط الهندسي المتسارع مع التوسع العمراني الهائل للعاصمة، وسوء التسيير في بعض القطاعات الوصية، مما جعل الحصول على الماء الأساسي لليوم الواحد معركة مستمرة للمواطن.
القطاع الصحي (تعثر الخدمات الاستشفائية وضعف البنى التحتية)
تجليات الفشل: يشهد القطاع الصحي استياءً واسعاً من تردي الخدمات في المستشفيات العمومية الكبرى بنواكشوط (المستشفى الوطني، الشيخ زايد، ومستشفى الصداقة)، وتكرار أعطال الأجهزة الطبية الحساسة مثل معدات التصوير الطبقي (السكانير)، فضلاً عن نقص الأدوية الأساسية وارتفاع أسعارها.
العمق التحليلي: على الرغم من الخطاب الرسمي الموجه لترقية الصحة القاعدية، إلا أن التنفيذ الميداني يعاني من غياب رقابة صارمة على الموارد، وضعف في حكامة المستشفيات، وهروب الكوادر الطبية نحو القطاع الخاص أو الخارج نتيجة ضعف الحوافز. الهوة تبدو واسعة بين الشعارات المرفوعة برفع جودة الخدمة وبين واقع الأقسام الاستعجالية المكتظة.
البنية التحتية الحضرية وإدارة الأزمات الموسمية
تجليات الفشل: مع أولى زخات المطر أو التقلبات المناخية، تغرق شوارع نواكشوط الرئيسية والأحياء الشعبية في برك ومستنقعات تعطل حركة المرور وتكشف هشاشة شبكات الصرف الصحي.
العمق التحليلي: تعكس هذه الظاهرة المتكررة فشلاً استراتيجياً في التخطيط العمراني طويل الأمد وغياب البنيات التحتية الأساسية لتصريف مياه الأمطار. الإنفاق المالي الضخم الذي يُخصص سنوياً لتدخلات الطوارئ يذهب غالباً لعمليات ترقيعية مؤقتة دون حلول جذرية تنهي معاناة السكان مع كل موسم خريف.
التشغيل والبطالة (أزمة الشباب وحملة الشهادات)
تجليات الفشل: تظل مستويات البطالة في صفوف الشباب وحملة الشهادات مرتفعة بشكل مقلق، عجزت معها برامج التشغيل الحكومية والمبادرات الرسمية عن امتصاص الأعداد المتزايدة من خريجي الجامعات.
العمق التحليلي: تعاني السياسات الاقتصادية الحالية من غياب "اقتصاد منتج" قادر على خلق فرص عمل مستدامة؛ حيث تقتصر غالبيتها على وظائف مؤقتة أو برامج دعم ظرفية لا ترقى لمستوى تحويل النمو الاقتصادي (المعتمد غالباً على التعدين والصيد) إلى فرص حقيقية للتشغيل، مما يغذي نزاعات الهجرة غير النظامية والإحباط الشبابي.
خلاصة تحليلية
يمكن القول إن حكومة ولد أجاي برهنت على كفاءة نسبية في ضبط الإيقاع المالي والخطاب الإداري الصارم، لكنها اصطدمت بجدار "الواقع المعيشي المعقد"، حيث غلبت الحلول الترقيعية وردود الفعل الظرفية على الاستراتيجيات الهيكلية الناجزة في القطاعات الخدمية الحساسة، مما جعل الحكومة عرضة لانتقادات شعبية وسياسية حادة كلما تعرضت هذه القطاعات لاختبار ميداني حقيقي.




