تشهد الساحة السياسية الموريتانية اليوم مخاضاً عسيراً يكشف عن أزمة هيكلية عميقة في إدارة الشأن العام، عنوانها الأبرز هو الفراغ الذي خلّفه غياب الرعيل الأول من السياسيين المحنكين، وفشل "المطبخ السياسي" الحالي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في سد هذا الفراغ. فبدل أن تكون الدائرة الضيقة لصنع القرار مصدراً للرؤية والإلهام وحل الأزمات، أصبحت تعكس حالة من الارتباك وضعف الحنكة السياسية، مما زاد من تعقيد المشهد الوطني وأفقد النظام الكثير من بوصلته.
لقد جاء صعود الجيل الحالي إلى دوائر صنع القرار وسط توقعات بأن يضخ دماء جديدة تجمع بين الحداثة والكفاءة. غير أن الواقع أفرز مشهداً مغايراً تماماً؛ إذ يهيمن على "المطبخ الرئاسي" أفراد يفتقرون إلى التجربة الميدانية والعمق السياسي اللازم لقراءة التحولات المجتمعية واحتواء غضب الشارع. إن إدارة الدولة لا تدار بمنطق الإدارة البيروقراطية الصرفة أو الحسابات الضيقة، بل تتطلب حنكة سياسية وقدرة على الاستشراف واستقطاب الكفاءات الحقيقية قادرة على التفاعل مع نبض المواطن.
النتيجة المباشرة لهذا الضعف تظهر جلية في تعثر معالجة الملفات الكبرى؛ فالأزمات المعيشية تتفاقم، والخطاب الرسمي يبدو عاجزاً عن التواصل المقنع مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة، فضلاً عن الارتباك في تدبير المحطات السياسية الكبرى كالحوار والتوافق الوطني. وحين يغيب السياسي المحنك الذي يمتلك شجاعة المبادرة وبصيرة الاستشراف، تحل محلَه عقلية التردد والهروب إلى الأمام، مما يجعل النظام يبدو دائماً في موقع رد الفعل لا الفعل.
إن موريتانيا اليوم، وهي تقف على مفترق طرق حساس، باتت في أشد الحاجة إلى إعادة نظر جذرية في هندسة قرارها السياسي. فاستمرار الاعتماد على حاشية تفتقر للخبرة والوزن السياسي لا يهدد فقط نجاح المشروع الإصلاحي للرئيس الغزواني، بل يضعف مناعة الدولة في مواجهة التحديات المتزايدة. وحين يخلو "المطبخ السياسي" من الحكمة والخبرة، تتحول إدارة الدولة من صناعة للأمل إلى إدارة يومية للأزمات المفتوحة.
حين يتأمل المرء مسار التجربة السياسية الموريتانية عبر محطاتها المختلفة، يدرك يقيناً أن استفراد أي طرف أو تيار سياسي واجتماعي -سواء أكان يسارياً أو غيره- بإدارة المشهد وصنع القرار الاستراتيجي، لا يخدم الاستقرار ولا يؤسس لدولة مؤسسات مستدامة. إن بناء الوطن عملية تضامنية كبرى تتطلب تضافر جهود كافة القوى الحية، فالوطن أكبر من الجميع، ولا يمكن لأي جهة وحدها أن تحتكر الحكمة أو تدعي امتلاك الحلول السحرية لأزمات معقدة ومتشعبة.
إن استحضار التاريخ القريب يكشف بوضوح عن مخاطر تهميش المكونات السياسية والوطنية الأخرى؛ فتجارب البلاد السابقة، سواء في عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع أو خلال فترة الانتقال الديمقراطي والتجربة القصيرة للرئيس الراحل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، تقدم دروساً بليغة في هذا السياق. لقد أثبت الواقع مراراً أن محاولات الانفراد بالسلطة أو هيمنة تيار واحد على مفاصل القرار الاستراتيجي تؤدي حتماً إلى الاختناق السياسي وتأجيج الأزمات، في حين أن الانفتاح وإشراك كافة الفاعلين -من تيارات إسلامية ووطنية وقومية ويسارية ومستقلين- هو الضمانة الوحيدة لتحقيق السلم الأهلي والتنمية الحقيقية.
اليوم، وأمام جسامة التحديات التنموية والاجتماعية والاقتصادية، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لتجاوز منطق الاستحواذ والاقصاء. إن إشراك كافة الحركات والأحزاب السياسية في صناعة القرار الاستراتيجي ليس مجرد "رفاهية سياسية"، بل هو ضرورة حتمية لتوسيع قاعدة الدعم للإصلاحات، وخلق جبهة وطنية صلبة قادرة على مواجهة الهزات والتحديات الإقليمية والداخلية.
إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى عقد سياسي جديد وشامل، يُعيد الاعتبار للشراكة الحقيقية، وينصت لكل الأصوات الوطنية المخلصة بعيداً عن سياسات الوصاية أو الانفراد. فالتاريخ علّم الموريتانيين أن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على أنقاض الآخرين، بل يُشيّد بجهود الجميع، وفوق طاولات الحوار الشامل الذي لا يقصي أحداً ولا يستأثر به أحد.




