
تُعدّ السياسة في جوهرها فن تدبير الأزمات وصون جسور الثقة بين الجيران، لا سيما في المنعطفات الإقليمية الدقيقة التي تستوجب أقصى درجات الحكمة والتروي. غير أن خروج مسؤول رفيع برتبة وزير بتصريحات مستفزة في هذا الظرف بالذات، يأتي ليُغرد خارج سياق التهدئة ويصب الزيت على النار، مبرزاً فهماً قاصراً للواقع الاستراتيجي وجهلاً فاضحاً بصفحات التاريخ الحقيقية التي لم تُمحَ من الذاكرة الجمعية.
إن محاولة القفز على الحقائق التاريخية أو تجميل المواقف لن يغير شيئاً من طبيعة الواقع الذي عاشه البلدان. فالذاكرة الوطنية لموريتانيا، بكل ما تحمله من دروس بليغة، ترفض تماماً سياسة طمس الحقائق. فمن الناحية الواقعية، لم تكن موريتانيا يوماً بحاجة إلى حماية موهومة، ولم تكن السلطات المغربية في محطات الأزمات بمعزل عن الانحيازات الواضحة؛ بل إن الواقع التاريخي وثّق مواقف صريحة اصطفت فيها الرباط علانيةً مع أطراف أخرى (كالسنغال) في محطات حساسة، فضلاً عن الأطماع التاريخية المعروفة التي طالما شكلت هاجساً لدى القرار السياسي في "المخزن" تجاه موريتانيا أرضاً وشعباً، وهي أطماع اصطدمت دوماً بصلابة الإرادة الوطنية الموريتانية التي حمت سيادتها واستقلالها.
إن نبش الماضي هنا ليس ترفاً فكرياً، بل هو رد اعتبار لحقائق دامغة حاول البعض القفز فوقها، متناسين مواقف تاريخية كشفت حجم الخلاف والتباين في الرؤى، بل وحتى ما عُدَّ خيانة للعهود والروابط الأخوية في محطات مفصلية شهدها العالم العربي والإقليمي – كأزمة الحرب السنغالية الموريتانية ومواقف الأطراف الإقليمية منها، والتي تُظهر بجلاء أن لغة المصالح وحدها هي التي كانت تتحكم في توجيه البوصلة، بعيداً عن الشعارات الرنانة عن "الأخوة وحسن الجوار".
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أصبحت الشعوب أشد وعياً بأن لغة التعالي والقفز على الحقائق لم تعد تفيد. إن موريتانيا والمغرب، بحكم الجغرافيا والمصير المشترك، محومتان على العيش معاً، لكن ذلك يجب أن يُبنى على أساس الندية، والاحترام المتبادل، والاعتراف الكامل بالسيادة والخصوصية، لا على أساس استحضار أطماع بالية أو تصريحات سياسية رعناء لا تزيد المشهد إلا تأزماً والفرقة إلا اتساعاً




