حين تتغنى الأبواق الرسمية بإلغاء "حبس الصحفيين"، فهي لا تبيع للعالم سوى وهمٍ مغلف بالخديعة؛ فالحقيقة أن السلطة استبدلت الزنزانة بما هو ألعن والأدهى والأمر: التجويع الممنهج والإعاقة الجسدية. إن ما حدث للزميل حنفي ولد دهاه من تكسير لأسنانِه، وما تعرضتُ له شخصياً من محاولة فقع عيني بمواد حارقة حتى استحال عالمي إلى ظلام، ليس إلا قمة جبل الجليد؛ فهناك العشرات غيرنا ممن تعرضوا للتنكيل في "حبس جسدي" أبدي يتجاوز جدران السجون ليصادر حق الصحفي في الوجود والحركة، وصولاً إلى الإقصاء والإخفاء القسري. والمفارقة الصارخة أن هؤلاء الصحفيين الذين تحولوا إلى ذوي احتياجات خاصة بسبب المهنة، لم يكتفِ الجلاد ببتر حواسهم، بل أمعن في عقابهم عبر الحرمان المتعمد من التأمين الصحي وحق العلاج، وتركهم يواجهون آلامهم بلا سند طبي، في محاولة لكسر إرادتهم عبر المرض والحاجة، بمنعهم من مستحقات الدعم الخاص لذوي الاحتياجات الخاصة للصحافة.
ولم يتوقف الأمر عند التنكيل الجسدي، بل جاء "قانون الرموز" ليكون رصاصة الرحمة على ما تبقى من مساحات التعبير؛ حيث أضحى الصحفي مجبراً على اللجوء إلى رمزية شديدة ومجحفة في كتاباته تميل إلى الغموض، هرباً من البطش. هذا المناخ خلق إقصاءً ممنهجاً يهدف لتدجين القلم، بينما تبرز السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية (هابا) كأداة للابتزاز، تتواطأ مع سلطة تنظيم الإشهار لممارسة الخنق المادي وتوجيه الموارد للموالين، مع حرمان مؤسساتنا الصامدة مثل وكالة "الإعلامي" من حقوقها المشروعة.
إن تراجع موريتانيا بـ 11 رتبة هو تجميل لواقع يستحق القعر السحيق؛ فلو علم العالم أن "الحرية" هنا تعني بتر الأطراف، وتجويع العمال، ومنع العلاج، والإخفاء القسري للأصوات الحرة خلف ستائر الإعاقة والفقر، لسقطت ورقة التوت عن هذا النظام. أين هي الحريات حين يُترك الصحفي المعاق بلا تأمين أو دواء، ويُحاصر القلم الشريف بالتهديد بالإبلاغات الكيدية، بل ويُصنف كل من يكتب بمهنية وحياد كمعارض سياسي في محاولة بائسة لـ التشويش على عدالة القضية؟ لن تنجح هذه المسرحية الهزلية في إخفاء الحقيقة، فالحرية التي تُبنى على أشلاء الأجساد هي عبودية مكتملة الأركان بقلم: يحياوي محمد الأمين سيدا محمد




