
كنتُ في البداية أحاول إصلاح واقع الصحافة المستقلة في موريتانيا —لانتشالها من براثن الفساد—، ورغم أن البعض أساء الفهم واتهمني بالهدم لا البناء، إلا أنني أطرح الآن —بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة— رؤية لغربلة القطاع هيكلياً، كدعم للسلطة الرابعة وتكريساً لاستقلاليتها بعيداً عن وصاية السلطة التنفيذية التي تريدها أن تكون سلطة تابعة لا سلطة رابعة. تهدف هذه الرؤية إلى حث اليافطات الـ 22 على التوحد في نقابة واحدة، على غرار دول كبرى لا توجد فيها سوى نقابة واحدة للصحفيين، لتكون هي القاعدة المهنية الصلبة التي تختار قيادتها وتحدد ملامح هويتها.
إن هذه الكثرة ستتحول إلى نعمة لا نغمة إذا انصهرت في أقسام تخصصية؛ تضم قسماً للصحافة الإلكترونية والورقية، وقسماً للصحافة السمعية البصرية، وقسماً للصحافة الرسمية، وقسماً محورياً للمدونين والمراسلين والإنتاج الميداني. إن دمج التدوين كقطاع مهني معترف به داخل النقابة هو من يمنحها العمق الشعبي والرقابي، ويجعل من التدوين فضاءً مسؤولاً يحد من سفور التشويش؛ وهذه الأقسام مجتمعة هي من يجب أن تختار رئيس "الهابا" لضمان الكفاءة. فالمشكلة الحقيقية تكمن في تبعية مؤسسة "الهابا" نفسها إدارياً للقصر، وهي التبعية التي جعلت من "البطاقة الصحفية" التي يتغنى بها النظام الحالي مجرد "ميسم" إداري لإقصاء الصحفيين وتصنيفهم، وليست مطلباً مهنياً وحقوقياً يصونه الجسم النقابي المستقل. وما دام الكيان ملحقاً بالقصر فلا فائدة من تعيين صحفي عليه، لأن التبعية الهيكلية تجعل الصحافة سلطة تابعة لا سلطة رابعة.
إن تحرير السمعيات البصرية وفك ارتباطها الإداري بالرئاسة هو السبيل الوحيد لكي لا تظل "الهابا" أداة لتكريس تشرذم الحقل. كما أن اعتماد مفهوم "المقاولات الصحفية" —الذي بادرتُ بطرحه وتبنته الجهات الرسمية لاحقاً— يجب أن يظل الجسر الذي يعبر بالصحافة لتكون شريكاً وطنياً مستقلاً يخدم المجتمع، بعيداً عن الوصاية، بما يخدم المؤسسية والتوجهات الإصلاحية الحقيقية للدولة




