مع خيوط ذلك الفجر الذي انقشع فيه الغبار عن واجهة "طُوشْكَاوْنْ"، تلاشت ملامح الجالس الجديد خلف حجب التكهنات، وبقي العرش لغزاً معلقاً، بينما تُرِك أولئك الذين كانوا بمثابة عصابة خاصرة العرش القابعون في عتمة السرداب جيراناً لجذع النخلة؛ الجذع الذي يقف شاهقاً في الفراغ كجدارٍ أصم، لينطبق عليهم المثل الدارج في حرمان القريب، إذ باتوا جيراناً لظلٍّ يمتدّ بعيداً في الفراغ فلا يستظلون بفيئه، ولا ينالهم منه سوى النوى التالف. ومن رحم هذا الغموض المطبق، وفي خضم عهدةٍ انتقالية حائرة، التفتت الحاشية فلم يجدوا "صاحب البدلة الترابية" في ردهات القصر؛ لقد توغل عميقاً واختفى داخل الأقاليم, تاركاً المركز يواجه فراغاً مرعباً، ولم يرحل خالي الوفاض، بل ذهب بالعرش نفسه، اقتلعه من مستقره فوق ذلك الجذع وجعله مرتحلاً في يده، يطوف به وسط الغبار كأنه متاعٌ قلق أو لافتة تبحث عن جدار، متوجهاً إلى هناك حيث عصابة الأطراف.
ومن قلب ذلك التوغل، ومن مشهد العرش المحمول في اليد بعيداً عن جيران الجذع، وُلدت فكرة "لا مركزية القرار" كحيلةٍ لملء الفراغ ومجاراة الأمر الواقع؛ لتتجلى ملامح "الحكم اللامركزي"، حيث لم يعد ارتحال السلطة الجوالة بنطعها وخيامها مجرد نزهة لتوزيع المغانم، بل صار طوافاً اضطرارياً لشرعنة غياب الحاكم وعرشه الحقائبي، مقترباً بكلكله من مناطق الثقل الديمغرافي الحاسم في الأقاليم الشرقية.
وأمام هذا التوغل المفاجئ، انفرط عقد المركز، وراحت إدارات الدولة بأكملها، بوزرائها ودواوينها وموظفيها، تلهث وتتدافع في سباقٍ محموم خلف خريف ذلك العرش المحمول؛ إذ تحولت بوصلة النفوذ وجرت الأجهزة الرسمية وراء الحقيبة الطوافة، لاهثةً في ركاب السلطة الجوالة وسط الفيافي خوفاً من السقوط من حسابات العهد الجديد. نزل مجلس الرئاسة والوزراء المهرولون في تلك الأطراف متتبعين أثر البدلة الترابية، لاهثين وراء موازين هزّها صمتُ الصناديق المنسية وسط الزخم البشري الهائل. لكن الأقاليم لم تفتح ذراعيها بالولاء؛ فكلما رُفعت الشعارات الرسمية لتبرير هذا الطواف، انقشعت غيوم الوعود لترتدّ العبارةُ من بلاد الكوش –تلك الحواضن المحرومة الحائرة التي تقف دون مستوى الوعي النقي وفوق دناءة القبو بقليل، بعد أن عانت طويلاً من حرمان التنقيب والالتفات– لتكون "فِيكِ" استفهاماً قلقاً يملأ الأثير: "كَيْفَ؟". كيف ستقود البدلة الترابية المتوغلة هذا العهد الجديد بعرشها المرتحل الذي يلهث خلفه الجميع، وكيف ستُطعم جياع الأرض في مركز ثقلهم الديمغرافي بالوعود، في وقتٍ يرمقون فيه رئيسهم القديم معزولاً يجترُّ خواره في حفرته الآسنة بين فضلات الأبقار في ذات الإقليم؟
أمام انسداد أفق الجواب وحيرة سؤال "كيف" الكوشي المرتد من أرض العصابة، تلاقت الأصداء سريعاً لتصل إلى مستودع الاسترداد؛ ذلك السرداب السفلي الذي بات أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. ففي عتمة ذلك القبو، يضجُّ أولئك العلوج المارقون بغرابة أطوارهم ونواياهم الانقلابية المكتومة، تلتف حول بطونهم المتخمة "العِصابة"؛ ذلك النِّطاق والحزام الذي يشدّ خصروهم ويحمي سطوتهم المتداعية. أدرك مهندسو دولة إِينَاتِيرُومْ أن ضبط هذا التوغل وهندسة العرش المحمول الذي تلهث خلفه الوزارات مقترباً من الثقل البشري الشرقي لا يمكن أن يتما دون حلحلة هذا الحزام الحامي، فامتدت يدُ الضرورة لتنبش عتمة السرداب قبل أن ينفجر بساكنيه، وتفتح الأبواب الموصدة لتعبئة العلوج وتدوير عصائبهم من جديد، في محاولةٍ يائسة لشدّ أزر العهد الانتقالي بأدوات الفساد الخشنة نفسها.
وهكذا، التفتت حيرة الأطراف بمكائد البطون المعصوبة؛ حيث وقفت السلطة في العراء ممسكةً بمفاتيح السرداب المرتدّة التي كادت تطيح بالجميع، بينما كان "الدَّلال" يخرج من غيابات الثرى نافضاً الغبار عن حزامه ليلتحق بالمشهد، واضعاً قناعاً مدنياً جديداً يقود به تفاصيل المرحلة فوق وجه صاحب البدلة الترابية الذي ما زال ممسكاً بالعرش في يده وسط أمواج الثقل الديمغرافي والوزراء المهرولين، مخفياً ملامحه خلف حجب التكهنات، بعيداً عن ذلك الجذع الذي تُرك عارياً بلا عرش ولا فيء، وعن أولئك الخاسرون. لتظل إدارة المشهد تتأرجح بين وهم الحسم في "الفيافي"، وزحف الصناديق المؤجلة، وخطر الانفجار القادم من جوف السرداب، كاشفةً أن العروش في وادي المرايا مهما حملتها الأيادي ولهثت خلفها الإدارات واقتربت بها من الأرض وجموعها، تظل خاصرتها مرتهنةً لـ "عصابة" قبوها القديم، بينما يظل جيران جذع النخلة يقبعون في عتمتهم، ينتظرون انقشاع الوهم واكتشاف سر الجذع المحيّر بأنفسهم، بحثاً عن السوار الذهبي




