تحقيق:..حي العمارية يموت عطشا بأطار مدينة الواحات

أحد, 19/07/2026 - 20:29

رغم إعلان الحكومة حل ازمة الماء "نهائياً"  مرات في 5 سنوات الماضية، لا يزال سكان العاصمة السياحية يشترون الماء بالصهاريج ويعتمدون بشكل فعلي علي سقاية بعض المحسنين بالماء الشروب.وغياب كلي لدور البلدية في تخفيف وطأة العطش في عشرات الاحياء في المدينة.

  الساعة الخامسة صباحا في حي " العمارية" بأطار. لا يصطف الناس أمام مخبزة، بل أمام صهريج ماء  يقدمه محسن كسقياية. منذ 12 يوما. محمد سالم، 62 عاما، مزارع، يحمل جالونين أصفرين: "عندي 40 نخلة في تيارت، أسقيها بماء نشتريه. الواحة تموت، ونحن نموت معها ببطء. كل سنة يقولون لنا المشروع النهائي، وكل صيف نعود لنفس الطابور".

أطار، عاصمة آدرار وواجهة السياحة الموريتانية، تعيش مفارقة قاسية: مدينة بنيت فوق أحد أكبر الأحواض الجوفية في البلاد، تغرق في العطش كل صيف.السلطات الادارية بذلت أقصاء الجهود لتفادي المشكلة  وبهت الوزارة المعنية لكن لاحياة لمن تنادي

الفصل الأول: الأرقام التي تكشف الفضيحة

حصلنا على الأرقام الرسمية للمشروع الأخير الذي وضع حجره الأساس وزير المياه محمد الحسن ولد بوخريص:

الإنتاج الحالي: 2400 إلى 2600 متر مكعب يومياً فقط، لمدينة يزيد سكانها عن 35 ألف نسمة مع ضواحيها.

الحاجة الفعلية: أكثر من 6000 متر مكعب يومياً في فصل الصيف مع الحرارة التي تتجاوز 48 درجة.

العجز: أكثر من 60% من الحاجة.

الحل الحكومي المعلن عنه الآن هو نفسه الذي أُعلن سابقاً: حفر 5 آبار جديدة في حقل تيارت - اصدر، وتوسعة محطة الضخ من 100 إلى 200 م3/ساعة، ومد أنبوب رئيسي بطول 17 كلم بقطر 250 ملم إلى خزان انطرازي، وتوسعة الشبكة الكهربائية.

التكلفة المعلنة: 98.4 مليون أوقية جديدة (حوالي مليار أوقية قديمة) ضمن البرنامج الاستعجالي لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، ومدة التنفيذ 12 شهراً، بهدف حل المشكلة "نهائيا حتى 2027".

لكن هذه ليست المرة الأولى. في 2023 أرسلت الحكومة "أزيد من ستين طنا من المياه بالصهاريج" بشكل مستعجل لإنقاذ المدينة، وفي يونيو 2025 اضطر الفريق البرلماني لحزب تواصل لتنظيم حملة سقاية بنفسه "للتخفيف من معاناة السكان في ظل أزمة العطش المتفاقمة". فلماذا تتكرر الأزمة رغم كل المشاريع النهائية؟

 

الفصل الثاني: أين يتبخر ماء أطار؟ - ثلاث ثقوب سوداء

كشف تحقيقنا الميداني وتحليلنا لوثائق الشركة الوطنية للمياه SNDE عن ثلاثة أسباب بنيوية:

1. حقل تيارت - اصدر يحتضر:

الحقل الذي يغذي أطار منذ الثمانينات هو حقل سطحي يعتمد على مياه الأمطار في وديان آدرار. مع ضعف التساقطات في السنوات العشر الأخيرة وزيادة الحفر العشوائي للآبار الزراعية الخاصة حوله، انخفض منسوبه بشكل خطير. مهندس سابق في SNDE فضل عدم الكشف عن اسمه قال لنا: "نحن نسحب من حساب بنكي لا نغذي فيه شيئا. الآبار الخمس الجديدة ستعطي دفعة لسنة أو سنتين، ثم سنعود لنفس النقطة إذا لم نبن سدوداً حقيقية".

وهذا ما أكده عمدة عين أهل الطايع نفسه عند وضع حجر الأساس حين طالب بـ "الإسراع في تنفيذ سد واد اليج وسد أم لمحار وسد اكني وسد تيزنت"، أي أن الحل ليس في الآبار فقط، بل في السدود.

2. شبكة توزيع من زمن الاستعمار:

15 كلم من الأنابيب المتهالكة، نسبة ضياع تتجاوز 40% بسبب التسربات. الأحياء المرتفعة مثل "القديمة" و"أغنمريت" لا يصلها الماء أبداً بالضغط الطبيعي، في حين تبقى الأحياء المنخفضة تستهلك أكثر. الشركة لم تستثمر في التوزيع العادل.

3. الكهرباء عدو الماء:

محطات الضخ في تيارت تعمل بالكهرباء، وأطار عانت في نفس الفترة من انقطاعات كهربائية خانقة. كل انقطاع للكهرباء يعني توقف الضخ لـ 6 ساعات. لا يوجد مولد احتياطي بقدرة كافية.

الفصل الثالث: تجارة العطش

أزمة العطش خلقت اقتصاداً موازياً. سعر صهريج الماء سعة 6 أطنان وصل في ذروة يونيو الماضي إلى 8000 أوقية قديمة، أي ما يعادل ربع راتب موظف بسيط. من يملك بئراً خاصة أصبح يبيع الماء.

"الدولة تعطينا الماء مجاناً بالصهاريج كحل إسعافي، وبعد يومين يأتي نفس الصهريج الخاص ليبيعه لنا"، يقول أحد سكان حي المطار.

المواجهة

تواصلنا مع المديرية الجهوية للشركة الوطنية للماء في أطار. أكدت أن المشروع الجديد سيرفع الإنتاج إلى 6000 م3 يومياً وأنه "الحل الجذري والنهائي".

سألناهم: لماذا لم تنفذ السدود المقترحة منذ 2018؟ ولماذا لا يتم نشر تقرير عن منسوب حقل تيارت سنويا؟ لم نتلق جواباً حتى نشر هذا التحقيق.

: سؤال بـ مليار أوقية

مليار أوقية قديمة وُضعت لحل نهائي حتى 2027. لكن إذا كان الحل لا يزال يعتمد على نفس الحقل الناضب، ونفس الشبكة المثقوبة، بدون سدود تحقن الحوض، وبدون طاقة شمسية مستقلة للمضخات، فهل نحن أمام حل، أم أمام تأجيل جديد للعطش إلى صيف 2027؟

موقع الاعلامي