تقرير... عن بكالوريا موريتانيا 2025-2026 وتدني نسبة النجاح/ الياس محمد

أربعاء, 22/07/2026 - 22:34

هذه السنة شهدت الجدل المعتاد كل سنة حول البكالوريا، لكن بالأرقام الرسمية الصورة أوضح:

1. ماذا تقول الأرقام؟

الدورة العادية 2025 في موريتانيا:

عدد المتقدمين: 47,251 طالب وطالبة

عدد الناجحين في الدورة الأولى: 10,002 فقط

نسبة النجاح: 20.08%

عدد المؤهلين للدورة التكميلية: 7,059 مترشح

الدورة 2026 الجارية:

عدد المترشحين ارتفع إلى 64,532 مترشح موزعين على 195 مركز، منها 63 في نواكشوط وحدها، وتصدرت شعبة العلوم الطبيعية بـ 37,419 مترشح.

هذه النسبة 20% ليست جديدة. هي نفسها البنية منذ سنوات، حيث كانت نسبة الرسوب العامة تاريخيا حوالي 69.89% والناجحون 12.88% فقط في بعض السنوات السابقة.

للمقارنة، في المغرب المجاور نسبة النجاح في نفس الدورة العادية 2026 بلغت 64.8%، أي أكثر من ثلاثة أضعاف موريتانيا.

2. هل هو دليل على ضعف المناهج أم ضعف مستوى التعليم؟

الجواب: ليس المناهج وحدها، بل منظومة كاملة. وتدني النسبة هو عرض لمرض أعمق.

أ. ضعف المناهج؟ نعم جزئيا:

المناهج الموريتانية قديمة نسبيا وتعتمد على الحفظ أكثر من الفهم والتحليل، خاصة في شعب الآداب.

شعبة الآداب العصرية سجلت تاريخيا أسوأ نسبة: الراسبون 83.13% والناجحون 2% فقط، وهذا يكشف عدم ملاءمة المنهج مع قدرات الطلاب وسوق العمل.

عدم وجود مسارات تقنية ومهنية حقيقية يجعل الجميع يتجه للعلوم الطبيعية (52.8% من المترشحين) حتى من لا يملك ميولا علمية.

ب. لكن مستوى التعليم العام هو السبب الأكبر:

الفجوة بين العمومي والحر: نسبة النجاح من التعليم الحر 22.23% مقابل 8.91% فقط من التعليم العمومي. هذا يعني المدرسة العمومية هي التي تنهار.

نقص الأساتذة والاكتظاظ: 63 مركز امتحان في نواكشوط وحدها من أصل 153 مركزا على المستوى الوطني يظهر التركز الشديد، مع أقسام مكتظة ونقص في أساتذة المواد العلمية.

الترشح الحر والعشوائي: 22.65% من المترشحين أحرار و 39.74% عن طريق الثانويات الحرة، كثير منهم بدون تكوين منتظم.

الغش وتسريب المواضيع ثم التشديد المفاجئ: كلما شددت الوزارة الرقابة، نزلت النسبة فورا، مما يعني النسب المرتفعة سابقا كانت مضخمة بالغش.

الخلاصة

تدني نسبة 20% لا يعني أن الطالب الموريتاني ضعيف ذكاء، بل أن المنظومة تتحمل المسؤولية موزعة كما قال أحد المحللين التربويين الموريتانيين:

 

الوزارة والحكومة 25% - الآباء والمجتمع 25% - الأساتذة والمدرسة 25% - التلاميذ والظروف 25%

الحل ليس في تسهيل الباك لرفع النسبة، بل في:

إصلاح المدرسة العمومية قبل الباكالوريا بسنوات

مراجعة شعب الآداب ومناهجها

توجيه مبكر نحو التكوين المهني بدل حشر الجميع في العلوم الطبيعية

تكوين حقيقي للأساتذة وتحسين ظروفهم

البكالوريا في موريتانيا ما زالت امتحانا انتقائيا وصعبا، بينما في دول الجوار أصبح امتحانا تحصيليا عاديا. وهذا بحد ذاته يحتاج قرار سياسي: هل نريد باكالوريا للجميع أم باكالوريا للنخبة فقط؟

تقرير معمق: لماذا نسبة البكالوريا في موريتانيا لا تتجاوز 20%؟

هذا ليس ضعف طلاب، هذا انهيار منظومة كاملة تظهر نتيجته فقط في الباك. الباك هو موسم الحصاد لمسار تعليمي فاشل من الابتدائية إلى الثانوية.

 

أولا: التشخيص بالأرقام - الأزمة أقدم من 2025

1. مسار متعثر تاريخيا:

البكالوريا دخلت موريتانيا سنة 1947 مع أول ناجح موريتاني، وكانت تنظمها جامعة الشيخ أنتا جوب في السنغال. سنة 1974 كانت نسبة النجاح 85.25%، ثم هبطت إلى 50% في 1975، ثم 33% في 1981، ومنذ الثمانينات دخلت في نفق 12% إلى 20%.

القاعدة ثابتة: كلما توسعت قاعدة المترشحين، انهارت نسبة النجاح، بسبب ضعف المخرج الكيفي مقابل التوسع الأفقي.

 

2. صورة 2025-2026:

 

2025: 47,251 مترشح - نجح 10,002 فقط = 20.08%

2026: 64,532 مترشح في 195 مركز، 63 منها في نواكشوط وحدها.

الفجوة الصارخة: التعليم الحر 22.23% نجاح مقابل 8.91% فقط للتعليم العمومي.

الفجوة الجغرافية: ولاية البراكنة 2.8%، الحوض الغربي 2.7%، كيدماغا 1.7%.

هذه الأرقام تضع موريتانيا تحت المتوسط الإفريقي بكثير، بينما المغرب مثلا 64.8% في نفس السنة.

ثانيا: الجذور الخمسة للفشل - ليست المناهج فقط

تقرير اليونسكو الأخير دق ناقوس الخطر بوضوح، وشخص الأزمة في 5 نقاط:

1. هدر مدرسي مبكر:

معدل إكمال الابتدائية دون 70%، ومن يصل لنهاية الإعدادية لا يتجاوز 45% للذكور و42% للإناث. من يصل للباك هم أصلا الناجون من تسرب هائل. تقرير آخر يقول: يلتحق 126% بالابتدائي لكن فقط 35% يصل للثانوية. والكثير ممن يبقون لا يكتسبون مهارات القراءة والحساب الأساسية.

2. أزمة المدرس:

عدد كبير من المدرسين يفتقرون للتكوين البيداغوجي اللازم

الدولة تعتمد على العقدويين بلا كفاءة ولا خبرة، وفاقد الشيء لا يعطيه

هجرة الكفاءات للداخل: الأساتذة الجيدون يتركون الولايات ويتمركزون في نواكشوط حيث التعليم الخاص يوفر حياة أفضل. لهذا تجد صفر ناجح في الآداب في بعض الولايات.

3. انفصام المناهج عن الامتحان:

هذه النقطة الأخطر في سؤالك. يقول أستاذ جامعي عن شعبة الآداب العصرية التي نسبة رسوبها 83%:

التلميذ مطالب بتحليل النص تحليلا بنيويا وهو لا يعلم شيئا عن المنهج البنيوي لأنه ليس مقررا عليه، بينما يدرس مناهج لا يحتاجها كالمنهج النفسي والتاريخي.

وحتى أساتذة الفلسفة انقسموا حول فهم سؤال في باكالوريا هذا العام، فكيف بالتلميذ؟

المناهج أيضا غير متكيفة مع حاجات سوق العمل، وتعتمد على الحفظ والاستظهار أكثر من التفكير النقدي.

 

4. نظام امتحان ظالم وقديم:

موريتانيا ما زالت تعتمد على امتحان واحد مصيري في 3 أيام يتوقف عليه مستقبل 12 سنة دراسة، بينما المغرب مثلا: 40% مراقبة مستمرة + امتحان جهوي + وطني.

هذا النظام يخلق ضغط نفسي هائل ويشجع الغش، ومع تشديد الرقابة ومحاربة التسريب تسقط النسب فورا، مما يعني النسب القديمة كانت منفوخة.

5. ضعف التمويل والحوكمة:

الإنفاق العمومي على التعليم 2.3% فقط من الناتج المحلي، تحت المتوسط الإفريقي. والقطاع موزع بين 5 وزارات، ومركزية مفرطة في نواكشوط، وتشتت للموارد.

ثالثا: البعد الاجتماعي - نظرية بورديو

الباحث الاجتماعي طارق السعيدي فسر التباين بنظرية بورديو: الرأس المال الرمزي للأسرة هو ما يحدد النجاح. المستوى المادي والتعليمي للوالدين وتشجيعهم والبيئة المحفزة هي التي تصنع الفارق.

في موريتانيا، أبناء الأسر الفقيرة والريفية يفتقدون هذا الرأس المال، لذلك نسبة الإكمال عندهم أقل، وهذا يفسر 1.7% في كيدماغا مقابل 20% في نواكشوط.

الخلاصة: هل نريد باك للجميع أم باك للنخبة؟

المشكلة ليست أن المناهج صعبة، بل أنها غير عادلة وغير ملائمة.

الحلول التي تقترحها التقارير الوطنية نفسها:

إصلاح جوهري لا ترقيعي: تحسين ظروف المعلم ماديا وتكوينه مستمرا، وربط الترقية بالأداء.

مراجعة المناهج: مناهج مرنة تركز على المهارات والتفكير النقدي ودمج التكنولوجيا، وتقسيم الآداب إلى مسارين: علوم إنسانية وقانون، ولغات وآداب.

نظام هجين للباك: 40-50% تقويم مستمر خلال السنة و50-60% امتحان وطني، كما اقترحه تربويون موريتانيون.

إنقاذ التعليم العمومي: احتكار الابتدائية للعمومي ومنع ازدواجية المدرسين بين الخاص والعام.

توجيه مهني حقيقي: 52% من المترشحين في العلوم الطبيعية لأنها الملاذ الوحيد، لا بد من باكالوريا مهنية.

بدون هذا، ستبقى نسبة 20% هي المرآة الصادقة الوحيدة في نظام تعليمي كله تضخيم، كما قال التقرير: شفافية تصحيح البكالوريا تلغي نفخ النتائج وتظهر بوضوح تغلغل الفشل.