"تآزر" أكبر ثقب أسود يبتلع أموال الفقراء" تحت إدارة المندوب العام سيدي ولد مولاي الزين

جمعة, 24/07/2026 - 21:39

.من قلب العاصمة نواكشوط، حيث تصطف طوابير الفقراء أمام شبابيك الأمل، وُلدت "تآزر".. المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء.

بمرسوم رئاسي في 29 نوفمبر 2019، قُدمت للشعب الموريتاني على أنها "الذراع الاجتماعي للدولة"، الأداة المركزية لتنفيذ شعار "لا أحد سيُترك على قاموس الفقر". ميزانيات بمئات المليارات، برامج بأسماء براقة: "تكافل"، "الشيخ الداداه"، "عون"، "داري".. ووعود بكسر حلقة الفقر المتوارث.

لكن اليوم، وبعد سبع سنوات، اسم "تآزر" لم يعد يرتبط في الشارع الموريتاني بالتكافل وحده، بل بأسئلة ثقيلة عن المصير.. أين ذهبت المليارات؟ ومن المستفيد الحقيقي؟

 [المشهد الأول: أرقام صادمة]

في أكتوبر 2025، انفجرت القنبلة. محكمة الحسابات الموريتانية، أعلى هيئة رقابية في البلاد، تقدم تقريرها العام لسنتي 2022-2023. وثيقة من 377 صفحة.

التقرير لم يذكر "تآزر" وحدها، بل كشف عن اختلالات مالية جسيمة في عموم الدولة بلغت أكثر من 410 مليارات أوقية قديمة، أي ما يعادل نحو مليار دولار أمريكي، وهو ما يعادل ربع ميزانية البلاد.

التقرير رصد ما وصفه بـ "مخالفات صريحة لقواعد الشفافية والحوكمة، وممارسات غير قانونية ممنهجة، من النفقات غير الشفافة إلى العقود العمومية المنحازة"

هنا، دخلت "تآزر" دائرة الاتهام الشعبي والبرلماني. لماذا؟ لأنها تتعامل مع أكبر كتلة نقدية موجهة للفقراء بشكل مباشر، وبآلية يصفها منتقدوها بأنها "الأكثر ضبابية".

 [المشهد الثاني: ثغرات تآزر - شهادات من الميدان]

تتحدث المعارضة ومنظمات المجتمع المدني عن ثلاث فضائح بنيوية في تآزر:

1- السجل الاجتماعي.. من يستحق فعلا؟

تعلن تآزر أن برنامج "عون" وحده استهدف 352,480 أسرة بدعم نقدي قدره 15 ألف أوقية، وتوزيع سلال غذائية على 155 ألف أسرة.

لكن على الأرض، يشتكي المواطنون في الحوضين ولعصابة وكوركول من أن لوائح المستفيدين تُعد في مكاتب مغلقة. نواب في البرلمان اتهموا المندوبية بـ"الزبونية السياسية" حيث يتم تقاسم المناصب مقابل الولاء السياسي، وهو تقاسم يحمل في طيه "إذناً بالنهب".

تآزر نفسها اعترفت بوجود خلل، وأعلنت مؤخرا عن "تدشين مرحلة جديدة من السجل الاجتماعي أكثر دقة وإنصافا" وإخراج أسر تجاوزت الفقر، وهو اعتراف ضمني بأن السجل القديم كان مختلا.

2- التحويلات النقدية.. أموال تتبخر

برنامج "تكافل" يقوم على تحويلات ربع سنوية عبر محافظ إلكترونية. الفكرة ممتازة على الورق. لكن التحقيقات الصحفية المحلية كشفت عن شكاوى متكررة: رسائل لا تصل، أسماء وهمية، وسطاء يقتطعون 20% من المبلغ بحجة "المساعدة في السحب". غياب نظام رقابة مستقل يجعل من الصعب تتبع الأموال بعد خروجها من خزينة تآزر.

3- الصفقات.. من يبني لمن؟

برامج مثل "داري" لبناء مساكن للفقراء، و"تعمير توجنين" أثارت جدلا واسعا حول جودة التنفيذ وتضخم التكاليف. تقرير محكمة الحسابات أشار بشكل عام إلى مشاريع بنية تحتية تشهد "تأخيراً غير مبرر في الإنجاز وتسديد مبالغ للمقاولين عن أعمال لم تُنفذ بعد، مع التغاضي عن تطبيق غرامات التأخير"، وهو النمط الذي يرى مراقبون أنه ينطبق تماما على مشاريع تآزر.

 [المشهد الثالث: الدولة ترد]

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تعهد بأن "لا أحد، مهما كانت مكانته، سيفلت من العقاب"، وأن قرار إحالة المشمولين في التقرير إلى القضاء فتح النقاش حول ما إذا كانت هذه بداية حرب حقيقية ضد الفساد أم مجرد مسرحية عابرة لامتصاص غضب الشارع.

أما تآزر، فترد بلغة الأرقام والشراكات الدولية. تقول إنها أطلقت مع اليونيسف برامج تشمل تحويلات نقدية وتعليم وتغذية، وتستهدف 5000 أسرة لديها أطفال دون 23 شهرا، وإن شراكاتها مع البنك المركزي والبنوك تضمن وصول المبالغ بشكل مباشر وآمن.

بين رواية رسمية تتحدث عن "أكبر عملية دعم اجتماعي في تاريخ البلاد"، ورواية شعبية تتحدث عن "أكبر ثقب أسود يبتلع أموال الفقراء"، تقف "تآزر" اليوم في مفترق طرق.

في موريتانيا ، الفقير لا يزال ينتظر. ليس تقريرا جديدا، بل جوابا واحدا بسيطا: أين ذهب حقه في التآزر؟

الفصل الأول: كيف وُلد العملاق الذي لا يُسأل؟

تآزر لم تكن مجرد وزارة. المرسوم 2019 أعطاها استقلالية مالية وإدارية كاملة. لها مندوب عام بدرجة وزير أول، وأمين عام، و 15 منسقا جهويا، ومئات الموظفين، وشركات تنفيذ تابعة لها.

في ذروتها، أعلن مندوبها العام الحالي أن برنامج "عون" وحده يستهدف 352,480 أسرة على عموم التراب الوطني، بدعم مالي مباشر، بالإضافة إلى 155 ألف سلة غذائية تحتوي كل واحدة على 50 كلغ أرز وقمح و10 كلغ سكر ومعجون.

 

رقميا، العملية تبدو كـ "أكبر عملية دعم اجتماعي من نوعها في تاريخ البلاد".

لكن المعارضة تقول: هذا بالضبط هو الخطر. عندما تعطي مؤسسة واحدة حق توزيع مئات المليارات نقدا، بلا قانون صفقات عمومية صارم، وبلا نشر لوائح مستفيدين قابلة للتدقيق، فأنت لا تكافح الفقر.. أنت تخلق اقتصادا جديدا للريع.

الفصل الثاني: الثقوب الثلاثة السوداء

من خلال تتبعنا لشكاوى المواطنين، واستجوابات النواب، وتقارير صحفية محلية، رصدت الجزيرة ثلاثة مسارات رئيسية تشوبها شبهات فساد في تآزر:

1. السجل الاجتماعي.. من يقرر من هو فقير؟

السجل هو قلب تآزر النابض. من يدخل فيه يحصل على كل شيء، ومن يخرج منه لا يحصل على شيء. كيف يتم التسجيل؟ عبر استمارات يملأها "منشطو تآزر" في القرى.

 

تعتمد تآزر على التحويل عبر المحافظ الإلكترونية. ترسل رسالة نصية فيها رابط للتحقق. على الورق، العملية شفافة.

على الأرض، القصة مختلفة. في أحياء الترحيل بنواكشوط، التقينا بثلاث سيدات أكدن أن وسيط الحي يطلب منهن 3000 أوقية مقابل مساعدتهن في سحب المبلغ من "بنكيلي" أو "سداد". أخريات لا يملكن هواتف ذكية، فيضطررن لإعطاء بطاقاتهن لشخص آخر.

لا يوجد تقرير تدقيق مستقل منشور يكشف نسبة الأموال التي لم يتم سحبها، أو التي أعيدت للخزينة. وهذا هو مربط الفرس.

3. برامج الإسكان والبناء.. داري لمن؟

برنامج "داري" و"تعمير"  " لبناء المساكن الاجتماعية. هنا تتداخل تآزر مع عالم الصفقات العمومية.

وهو نفس النمط الذي تكرر في مشاريع تآزر في توجنين وآدرار، حيث اشتكى السكان من تشققات في الجدران بعد 3 أشهر من التسليم، وغياب الماء والكهرباء في مساكن قيل إنها "مكتملة".

خبير اقتصاد موريتاني: تآزر تجمع كل عيوب الأنظمة السابقة في مؤسسة واحدة.

لا منافسة: 90% من صفقاتها تتم بالتراضي، وهو ما كانت الحكومة تقول إنها قلصته من 40% إلى 15% عموما، لكن الاستثناءات باسم "الاستعجال الاجتماعي" تفرغ الإصلاح من محتواه.

لا رقابة قبلية: لا يمر ملفها على البرلمان، بل على مجلس إدارة معين.

لا شفافية بعدية: لا تنشر تآزر على موقعها لوائح مفصلة بأسماء المستفيدين، ولا تقارير تدقيق مستقلة، ولا تكلفة البيت الواحد في داري.

بين رواية رسمية تتحدث عن "أكبر عملية دعم اجتماعي في تاريخ البلاد"، ورواية شعبية تتحدث عن "أكبر ثقب أسود يبتلع أموال الفقراء"، تقف "تآزر" اليوم في مفترق طرق. 

الاعلامي