تجربة موريتانيا في محاربة الإرهاب من "الحلقة الأضعف" إلى نموذج يحتذي به. عالميا / الياس محمد

ثلاثاء, 28/07/2026 - 15:51

.تجربة موريتانيا في محاربة الإرهاب تعتبر اليوم من التجارب القليلة في الساحل التي تحولت من "الحلقة الأضعف" إلى نموذج.

1- البداية: لماذا كانت موريتانيا هدفا سهلا؟

بين 2005 و 2011 عاشت موريتانيا موجة غير مسبوقة:

هجوم لمغيطي 2005 الذي قتل فيه 15 جندي موريتاني على يد الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية.

مقتل 4 سياح فرنسيين في ألاك 2007، واختطاف 3 إسبان 2009، ومجزرة تورين 2008 حيث خطف وقطع رأس 12 جندي.

السبب بحسب مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية: صحراء شاسعة بلا سلطة دولة، جيش ضعيف سيء التسليح والتجهيز، وبطالة وفقر، مع وجود موريتانيين كثاني أكبر مصدر للمقاتلين والأيديولوجيين للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بعد الجزائريين

منذ 2011 لم تشهد موريتانيا أي هجوم إرهابي كبير داخل أراضيها، وهو ما جعلها تبرز في منطقة مشتعلة.

2- المقاربة الموريتانية الشاملة: 4 أعمدة

الدراسة الأخيرة الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات "التجربة الموريتانية في مواجهة الجماعات السلفية المسلحة: من الردع الأمني إلى الحوار وإعادة الإدماج" تلخصها بأنها جمعت بين الحسم العسكري والحوار الفكري وإعادة الإدماج

أ. الإصلاح العسكري الجذري

بعد وصول الرئيس محمد ولد عبد العزيز 2008 ووزير دفاعه آنذاك محمد ولد الغزواني، بدأ أكبر إصلاح في تاريخ الجيش:

الميزانية العسكرية تضاعفت 4 مرات بين 2008 و 2018 لتصل 160 مليون دولار

إنشاء 8 مجموعات تدخل خاصة GSI، كل مجموعة حوالي 200 مقاتل يخدمون معا لسنوات، مجهزة للعمل المستقل لأيام في عمق الصحراء

شراء معدات مناسبة للصحراء وليست باهظة: طائرات سوبر توكانو البرازيلية الخفيفة، شاحنات بيك اب، سفن مراقبة للشواطئ

قاعدة لمرية العسكرية في مثلث موريتانيا-مالي-الجزائر وإعلان المنطقة الحدودية منطقة عسكرية

الاستثمار في التعليم العسكري مع فرنسا وأمريكا وحلف الناتو، حتى اختيرت نواكشوط مقرا لكلية دفاع مجموعة الساحل الخمس G5 عام 2018

ب. الاستخبارات وإشراك المجتمع المحلي

تم توسيع شبكات الاستخبارات البشرية، وإعادة تفعيل فرقة الهجانة التي تجمع بين جمع المعلومات وتقديم خدمات صحية وتعليمية للبدو الرحل

ولمنع اختراق الجماعات للمناطق الحدودية، بنت الدولة مدنا جديدة مثل انبيكت لحواش في الشرق لتجميع السكان المتناثرين وتوفير مدارس ومراكز صحية وطرق، بهدف "احتلال الأرض" وقول للرحل: وطنكم يعتني بكم

ج. الحوار الفكري داخل السجون - جوهر التجربة

في 2010 أنشأت الدولة لجنة استراتيجية لمكافحة الإرهاب وقررت معالجة الأسباب الجذرية عبر حوار مع 70 معتقلا متطرفا

اللجنة ضمت علماء يحظون باحترام كبير في الأوساط السلفية مثل الشيخ محمد الحسن ولد الددو ومحمد المختار ولد امباله وأحمد ولد لمرابط

تركز النقاش على مفاهيم التكفير والجهاد والولاء والبراء والحاكمية. النتيجة: تعهد 47 معتقلا بنبذ العنف، حصلوا على عفو أو أحكام مخففة وتدريب مهني ومنح لإعادة الإدماج

آخر جولات الحوار وصلت حتى 2026 وشملت مراجعات لرموز بارزة مثل الخديم ولد السمان

 

الرئيس الغزواني لخصها في مؤتمر نواكشوط 2022: "تبنت موريتانيا نهجا متكاملا لم يقتصر على الأبعاد العسكرية والتنموية، بل شمل البعد الفكري في صميم البنية العامة لهذه الظاهرة"

د. البعد الدبلوماسي والإقليمي

موريتانيا أكدت أن استراتيجيتها أصبحت نموذجا مرجعيا معترفا به عالميا في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وأشاد بها الرئيس الفرنسي هولاند والتحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب.

في مسار العقبة بروما أكتوبر 2025 قال الوزير مولاي ولد محمد لغظف إن التجربة الموريتانية أصبحت نموذجا يحتذى به

التكامل: لم تعتمد على خيار واحد، بل ردع ثم حوار ثم إدماج اجتماعي، ما قلل العودة للسلاح.

مصداقية العلماء: الحوار لم يكن تفاوضا سياسيا بل نقاشا فكريا بقيادة علماء يثق بهم المعتقلون.

البيئة الاجتماعية: موريتانيا لم توفر حاضنة اجتماعية واسعة للجماعات، بعكس مالي، وسبقت الحوار الرسمي مراجعات داخل السجون نفسها.

التحولات الإقليمية: الحرب في مالي وتراجع جاذبية الخطاب الجهادي بعد الربيع العربي.

مقارنة: في مصر نشأت المراجعات من داخل الجماعات نفسها، وفي ليبيا ارتبطت بمبادرة سيف الإسلام القذافي وتوقفت بسقوط النظام، بينما الميزة الموريتانية أنها جعلت الحوار جزءا من استراتيجية متكاملة سبقها ردع وأعقبها إدماج

4- الانتقادات والحدود

لا تخلو التجربة من جدل. بعض المحللين يرون أن غياب الهجمات منذ 2011 يعزز الشكوك بوجود اتفاق عدم اعتداء غير معلن مع الجماعات، وهو ما نفته نواكشوط وبررته بضرورة دفاعية مثل الجزائر. كما عاد عدد محدود من المفرج عنهم للنشاط المسلح، لكن الدراسة تؤكد أنهم استثناء.

الخلاصة: موريتانيا أثبتت أن الدولة الهشة يمكن أن تصمد عندما تغير عقيدتها العسكرية، وتستثمر في البشر قبل السلاح، وتفتح باب الحوار بمرجعية دينية وسطية مالكية متسامحة.

2026.