تجارة الوهم ومزاد الأوطان: تشريح للعقل السياسي الموريتاني / الياس محمد

سبت, 22/08/2026 - 18:34

في كواليس المشهد السياسي الموريتاني، لم تعد الكلمات تحمل دلالاتها القاموسية؛ بل تحولت إلى شباك صيد تُنصب بإحكام في مواسم الانتخابات والتجاذبات. هنا، لا يمثل الشعار السياسي التزاماً أخلاقياً أو تعاقداً اجتماعياً، بل هو مجرد "قناع" تجميلي يرتديه الفاعل السياسي لإخفاء ملامح براغماتية متوحشة. إن المأساة لا تكمن في فشل السياسيين في تحقيق وعودهم، بل في كون تلك الوعود صُممت منذ البداية لتكون كذبة كبرى تُمرر على وعي المواطن المثقل بهموم البقاء.

بلاغة الخديعة وصناعة التخدير

لقد أتقن محترفو السياسة في بلادنا فن "التفريغ الدلالي"، حيث تُختطف المفاهيم النبيلة كالوطنية، والتنمية، والإصلاح، لتُفرغ من محتواها وتُحول إلى مجرد طلاء يخفي وراءه أهدافاً شخصية بحتة.

عشق بنكهة الخيانة: يتغنى السياسي بحب الوطن، بينما تمثل ممارساته خيانة صامتة لمقدراته؛ حب مسموم لا يرى في الدولة سوى بقرة حلوب، وفي المواطن مجرد ورقة اقتراع تُرمى بمجرد انتهاء العرض.

الوعود كسراب: تُبنى البرامج السياسية على لغة عاطفية تدغدغ أحلام الفقراء، لتتبخر تلك الوعود في أول اختبار للسلطة، تاركة الشارع يلوك خيباته المتكررة.

بورصة الولاءات: الوطن في مزاد علني

لعل أعمق جراح المشهد الموريتاني تتمثل في تسليع المبادئ. ففي سوق النخاسة السياسية، تفقد الثوابت قيمتها أمام بريق المصالح، وتتحول الولاءات إلى أسهم قابلة للتداول والتفاوض.

أثمان بخسة: لا يتردد البعض في مقايضة القضايا الوطنية الكبرى، وبيع مواقفهم بدراهم معدودة، أو التنازل عن مبادئهم مقابل تعيين في منصب حكومي زائل، أو صفقة عمومية، أو امتياز عابر.

تدوير الفشل: تتغير التحالفات وتتبدل المعسكرات بين عشية وضحاها، ليس بناءً على مراجعات فكرية، بل استجابة لبوصلة المصالح الضيقة التي تجعل من "المعارض الشرس" اليوم، "موالياً مطيعاً" غداً متى ما تم دفع الثمن.

خلاصة: إن أزمة الثقة العميقة بين الشارع الموريتاني ونخبه السياسية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تراكمي لعقود من الاستثمار في الكذب. فالأوطان لا تُبنى ببيع الذمم، والسياسة التي تُختزل في البحث عن مقعد وثير أو صفقة رابحة هي سياسة تحكم على أمة بأكملها بالبقاء في قاعة الانتظار.

في ظل هذا المشهد المعقد، هل النخب الشبابية الصاعدة قادرة على كسر هذه الحلقة المفرغة من الخداع السياسي، أم أنها ستُستوعب تدريجياً داخل نفس المنظومة النفعية؟