
في عالم السياسة الفسيح، تُقاس عظمة التنظيمات السياسية بمدى صلابة انضباطها الداخلي، وقدرة قياداتها على ترسيخ مصلحة الجماعة فوق النزعات الفردية العابرة. ولم تكد تتجف مداد التعميم الأخير الذي أصدره حزب "الإنصاف" الحاكم، والذي حث من خلاله كافة مسؤوليه ومنتخبيه على ضرورة الالتزام الصارم بمضامين الخطاب الرسمي وصون وحدة الصف درءاً لكل تشويش سياسي خارج عن السياق المؤسسي، حتى صدمنا المشهد بخرجة إعلامية جديدة للقيادي خطري ولد جدو عبر تدوينة مثيرة للجدل، بدت أشبه بإعلان تمرد سافر وتغريد خارج السرب الحزبي المألوف.
إن ما قام به ولد جدو ليس مجرد هفوة تنظيمية عابرة، بل هو تجسيد حي لنموذج القيادي المأزوم الذي تتجاذبه أهواء المصلحة الشخصية والتلون الفكري. لقد بدا الرجل في طرحه الأخير غارقاً في مستنقع السفسطائية السياسية، حيث يمارس تلاعباً بالألفاظ والتناقضات المبتذلة، متأرجحاً بين الولاء الشكلي للهياكل التنظيمية والتمرد العملي على ثوابتها. إنه لضرب من السذاجة السياسية المفرطة أن يُصر قيادي يحتل موقعاً متقدماً في الحزب على معارضة توجهاته العامة من داخل معقله ذاته، متخذاً من التذبذب الفكري منهجاً، ومن ازدواجية الخطاب أسلوباً لتصدر المشهد ولو على حساب وحدة الصف الحزبي.
إن البديهة الأخلاقية والنزاهة السياسية تفرضان على من يختلف جوهرياً مع خط حزبه أن يتحلى بالحد الأدنى من الشجاعة الأدبية لتقديم استقالته، لا أن يظل متشبثاً بمكتسبات القيادة بينما يطعن في أبجدياتها من الخلف. فالإبحار عكس التيار الحزبي مع البقاء على ظهر السفينة ليس شجاعة، بل هو عبث سياسي وانتهازية مقيتة لا يمكن للمؤسسات الجادة غفرانها.
من هنا، أصبح لزاماً على القيادة التنفيذية لحزب "الإنصاف" أن تضرب بيد من حديد، وأن تتخذ قراراً صارماً بفصل وتطرد خطري ولد جدو وكل من يماثله ممن يتخذون من التمرد على الانضباط هواية. إن التسامح مع مثل هذه السلوكيات السفسطائية يفتح الباب أمام تفكيك المنظومة الأخلاقية للعمل الحزبي، ويحول الأحزاب من حاضنة للرؤى الاستراتيجية إلى منبر للتشويش والعبث. فالانضباط الحزبي ليس قيداً استبدادياً، بل هو الدرع الواقي لقيم الحزب وهيبته، وهو المعيار الأوحد لفرز القيادي الملتزم عن المراهق السياسي المتذبذب.




