
حين يرتفع السقف الرسمي ليعلن طمأنة المواطنين وحل الأزمات، يهوي الواقع المعيشي ليعزف لحناً مغايراً تماماً، ليتكشف الفارق الهائل بين ما يُرفع على طاولات التقارير الرئاسية من وعود منمقة، وما يعانيه المواطن البسيط في تفاصيل يومه الدامي. وما أشد حسرة الأمة حين ينبرى بطانة السوء لتضليل رئيس الجمهورية، وإيهامه بأن عجلة الخدمات قد دارت بانتظام، بينما الحقيقة تكذّب الألسن وتفضح الزيف.
ففي أزمة الكهرباء التي أحرقت قلوب العباد قبل أن تحرق المحطات، يزعم المزاعمون أن التيار قد عاد إلى نصابه، وارتدت النور إلى الأحياء؛ بينما الحقيقة الماثلة أمام الأعين تقول غير ذلك تماماً. فالتيار الكهربائي لا يكاد يلامس المنازل إلا عابراً مرور الكرام—دقيقة يتيمة تعقبها ساعات طوال من الظلام الدامس والحر القاتل—ليعيش المواطن في دوامة لا تنتهي من العناء والتخبط.
ولا تكاد تنقشع حجب أزمة الكهرباء حتى تطفو على السطح مرارة أخرى أشد إيلاماً؛ ألا وهي مأساة الصرف الصحي. لقد رُوّج بأن الجهات المختصة قد تدخلت بحزم وكفاءة عاليتين، غير أن الإنصاف يقتضي القول إن التدخل لم يعدو أن يكون انتقائياً وهزيلاً. لقد بدأت آلات التدخل وطواقم الإغاثة محط رحالها من حيث ينتهي نفوذ الأقوياء، فاستهدفت بيوت "علية القوم" وأحيائهم المخملية، وتركت ضواحي العاصمة المنسية تغرق في وحل التجاهل، بلا صهريج ينقذ ولا عامل يغيث، وكأن إنسان الضواحي ليس له من الحقوق الوطنية نصيب.
إن التضليل الممنهج ورفع التقارير الوردية للقيادة العليا ليس مجرد خلل إداري عابر، بل هو خيانة للأمانة وتغرير بصانع القرار، وجريمة بحق مواطن يرزح تحت وطأة المعاناة. إن رئيس الجمهورية بحاجة ماسة اليوم إلى حقيقةٍ عارية من التزييف، وإلى عين حية تری ما لا تراه التقارير الورقية المضللة، حتى تُنصف الضواحي المنسية وتُعاد للخدمات الأساسية جديتها لا بريقها الإعلامي




