تأتي المرحلة السياسية الحالية في موريتانيا، على وقع التعديلات الهيكلية وتجديد الثقة في الوزير الأول المختار ولد أجاي، لتشكل محطة مفصلية واختباراً حقيقياً لمدى قدرة الجهاز التنفيذي على الترجمة العملية لتعهدات رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني. إن تسيير الشأن العام وفق مقاربة "ولد أجاي" القائمة على الصرامة الإدارية، والحكامة الاقتصادية، والشفافية، يضع الحكومة الجديدة أمام التزامات جسام تتطلب استراتيجية واضحة المعالم، وأدوات تنفيذ فعالة تقطع مع عقبات الماضي. أولاً: ملامح السياسة الحكومية وتقاطعها مع تحديات المرحلةتتسم سياسة المختار ولد أجاي بطابعها التكنوقراطي والبراغماتي؛ فهي تعتمد على لغة الأرقام، والنتائج القابلة للقياس، والمتابعة الميدانية الدقيقة. وقد ظهر ذلك جلياً في التعاطي مع الملفات الخدمية الكبرى، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الرقابة على المال العام. إن تجديد الثقة في ولد أجاي يفرض فهماً عميقاً لمتطلبات الشارع الموريتاني الذي لم يعد يحتمل البطء البيروقراطي أو تعثر المشاريع الحيوية، مما يستدعي انتهاج سياسة قائمة على الآتي: ربط التخطيط بالتنفيذ: الانتقال من مرحلة الاستراتيجيات الورقية إلى الإنجاز الميداني السريع. ترشيد الإنفاق العمومي: إعطاء الأولوية للقطاعات الاجتماعية المنتجة وذات الأثر المباشر على حياة المواطن. محاربة الركود الإداري: فرض انسيابية أكبر في الإدارات العمومية وتقريب الخدمة من المرتفقين. ثانياً: ما يمكن عمله (خريطة طريق عملية للحكومة الجديدة)لتحقيق نقلة نوعية تكرس نجاح هذه السياسة وتلبي تطلعات الشارع، يتعين على الحكومة الجديدة التركيز على المحاور العملية الآتية:1. في المجال الاقتصادي والمعيشي: كبح غلاء الأسعار: تعزيز الرقابة الفاعلة على الأسواق، ودعم المواد الأساسية، وحماية القدرة الشرائية للطبقات الهشة.تحفيز التشغيل والشباب: تحويل البرامج الموجهة للتشغيل إلى فرص حقيقية ومستدامة بعيداً عن الحلول المؤقتة، والتركيز على قطاع التكوين المهني ليلبي حاجيات سوق العمل.2. في المجال الخدمي والبنى التحتية: استباق الأزمات (الطاقة والمياه): وضع خطط استباقية وصيانة دورية لشبكات المياه والكهرباء لتفادي الانقطاعات المتكررة، وتأمين الخدمات الأساسية في المدن والداخل بحرفية عالية.جودة المشاريع العمومية: فرض دفاتر ظروف صارمة على الشركات المنفذة للمشاريع، ومعاقبة التلاعب بالآجال أو المواصفات الفنية.3. في مجال الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد:عصرنة الإدارة: تسريع وتيرة التحول الرقمي في القطاعات الحيوية (كالضرائب، الحالة المدنية، والعدالة) لتقليص مساحات الرشوة والبيروقراطية. تفعيل الرقابة والشفافية: إرساء تقاليد صارمة للمساءلة والمتابعة، وجعل تقارير الهيئات الرقابية خريطة طريق للإصلاح الإداري والمؤسسي. خاتمة: إن نجاح سياسة المختار ولد أجاي في الحكومة الجديدة ليس خياراً بل هو ضرورة حتمية لإعادة الثقة وتعزيز جدار الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. وبقدر ما تتوفر لدى الفريق الحكومي الجديد من كفاءة وإرادة سياسية، بقدر ما سيكون قادراً على تحويل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة إلى فرص حقيقية للتنمية المستدامة، شريطة أن تبقى بوصلة العمل الحكومي موجهة أبداً نحو المواطن وهمومه اليومية.




