رهان المأمورية الثالثة والتحولات المرتقبة: هل ينجح ولد الغزواني في إعادة تشكيل خارطة النفوذ وتجاوز رموز المؤسسة؟

سبت, 17/10/2026 - 18:17

تجد موريتانيا نفسها أمام مخاض سياسي دقيق تتداخل فيه إشكاليات التعديل الدستوري، وترتيبات المشهد الانتخابي، وتوازنات القوة داخل النظام. وفي صلب هذه التحولات، يبرز النقاش حول "المأمورية الثالثة" للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بوصفه اختباراً حقيقياً لطبيعة النظام السياسي ومستقبل الاستقرار فيه. وبينما يتطلع الشارع إلى آفاق التنمية، تتجه الأنظار نحو الحوار الوطني المرتقب باعتباره الآلية الحاسمة لإعادة هندسة المشهد، وتحديد مدى قدرة الرئيس على حسم صراعات النفوذ المبكرة مع أسماء وازنة ومحورية في المشهد العسكري والسياسي، مثل ولد أحيريط، وولد حننه، وولد محمد لغظف.

أولاً: إشكالية المأمورية الثالثة.. الدستور والتحديات

إن طرح فكرة المأمورية الثالثة يفتح الباب واسعاً أمام قراءات متضاربة داخل الأغلبية والمعارضة على حد سواء:

العقبة الدستورية والسياسية: تصطدم المأمورية الثالثة بنصوص دستورية صريحة تحدد ولاية رئيس الجمهورية، مما يجعل أي مساعٍ لتعديلها بحاجة إلى توافق وطني واسع يمر حتماً عبر الحوار المرتقب.

رهان الاستمرارية أو التغيير: يرى مؤيدو هذا التوجه أن استمرار الرئيس الغزواني ضرورة لاستكمال المشاريع الكبرى، بينما يرى الرافضون أن تداول السلطة يظل الضمانة الوحيدة لتكريس الديمقراطية ومنع تركيز النفوذ.

ثانياً: ماذا يجب عمله في هذه المرحلة؟

لضمان عبور آمن ومستدام لهذه المرحلة الحساسة، يتعين على القيادة السياسية وصناع القرار اعتماد خطة عمل منهجية ترتكز على النقاط الآتية:

1. إعطاء الأولوية للتهدئة السياسية:

بناء جسور الثقة مع مختلف الطيف السياسي (موالاة ومعارضة) لضمان نجاح الحوار المرتقب بعيداً عن الإملاءات أو التجاذبات الحادة.

  • النأي بالبلاد عن الهزات الاقتصادية والاجتماعية عبر التركيز على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

2. تدبير ملف الخلافات بحكمة:

تجنب الصدامات المباشرة مع مراكز القوة التقليدية والشخصيات الوازنة، واعتماد مقاربة تشاركية تدمج الجميع ضمن رؤية وطنية موحدة.جعل المصلحة العامة المعيار الأوحد في إعادة توزيع الأدوار القيادية، بما يمنع أي احتقان مكتوم داخل دوائر صنع القرار.

ثالثاً: هل ينجح ولد الغزواني في إزاحة أقطاب النظام (ولد أحيريط، ولد حننه، وولد محمد لغظف)؟

تطرح التوازنات القائمة تساؤلات مشروعة حول مصير الشخصيات النافذة والأسماء الثقيلة في الدولة والمؤسسة العسكرية والسياسية، وكيف سيتعامل معها الرئيس عبر الحوار المرتقب:

طبيعة إدارة ولد الغزواني: عُرف عن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أسلوبه الهادئ القائم على "الاحتواء لا الإزاحة"، والتمهل في تفكيك مراكز النفوذ عوضاً عن الصدام السريع. لذلك، فإن الحديث عن "إزاحة" بمعناها الهجومي قد لا يتطابق مع أدبيات الرجل السياسية.

دور الحوار المرتقب: سيكون الحوار الوطني أداة لتقليم الأجنحة أو إعادة توزيع الأدوار، لا سيما إذا تم الاتفاق على صياغة مؤسسية جديدة تحدد صلاحيات وتواجد هذه الشخصيات.

احتمالات النجاح:

إذا كان الهدف إعادة التموضع: فمن المرجح أن ينجح الرئيس في تدجين النفوذ المنافس أو تحييده تدريجياً عبر خلق أجيال جديدة من القيادات الإدارية والسياسية الموالية لخطه.إذا كان الهدف الإزاحة الجذرية: فإن ذلك قد يواجه تعقيدات بالغة نظراً لمتشابك المصالح والامتدادات القوية لهذه الشخصيات داخل مفاصل الدولة، مما يتطلب معركة سياسية ضارية قد لا تكون متوافقة مع رغبة النظام الحالية في الاستقرار والهدوء.

خاتمة

تقف موريتانيا اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي الحوار المرتقب إلى تسوية شاملة ترسم ملامح مرحلة جديدة بتوافق وطني، أو يتحول إلى ساحة صراع خفي بين مراكز النفوذ والرئاسة. وفي كلتا الحالتين، ستظل قدرة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على المناورة بحنكة ودقة هي الفيصل في تحديد من يمسك بزمام المستقبل السياسي للبلاد.