
إن ما أسطره هنا ليس استعلاءً بمعرفة، بل هو بيانٌ من شخصٍ يرى نفسه دون الناس جميعاً، ولا يبتغي علواً ولا تبجحاً. إنما هو خضوعٌ لأمر الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز حين حثنا على التدبر والتفكر في آياته؛ فهو عشقٌ لعلم الباطن ودفاعٌ عن حقيقة أن القرآن سبق كل قاعدة، وأن الفطرة سبقت كل رسم.
أقول -بكل تواضع وافتقار- إن القرآن الكريم هو الذي أوجد اللغة وقعد لها، وما اللغويون والنحاة كـ "سيبويه" وغيره إلا تلامذة وقفوا في محرابه يغرفون من بحره، فاستنبطوا القواعد من إعجازه ولم يسبقوه بها. لقد نزل الوحي على النبي "الأمي" ﷺ، فكانت أميته هي الطهر المطلق الذي استقبل البيان الإلهي دون وسائط بشرية، وكان هذا الكتاب هو البوتقة التي صهرت ألسنة العرب جميعاً، من "بائدة ومستعربة"، معتمداً بصفة أساسية على "لغة قريش" الفصيحة التي منها نبينا الكريم، ليصيغ منها بياناً لدنياً معجزاً لم يخطه بنان بشر من قبل. ومن فيض هذا النور ندرك أن "البيان" كان أزلياً قبل أن تمسك به أصابع الكتّاب وتدونه الأقلام، فالباطن أصل للظاهر، والبيان قبل البنان.
• تنزيه الفاتحة: كما خلت السورة في معناها من الغضب والضلال، نُزهت في حروفها (بفضلٍ إلهي) عن حرف "الخاء" وما يحمله من معاني الخزي أو الخراب أو ذل الخلق؛ وهذا برهانٌ ساطع على أن القرآن كلام الله القديم وليس بمخلوق، إذ أن تنزيه الحرف يسبق وجود الخلق بصفاتهم. لقد أضافت علوم الباطن لعلوم الظاهر ما لم يكن يعرفه أهل الرسوم؛ ليكون مبنى السورة طاهراً كمعناها.
• حياة الحروف وقدسيتها: إن الحروف في كتاب الله ليست كائنات ميتة أو وعاءً جامداً كما قد يتوهم من طمست الغشاوة على قلوبهم، بل هي أحرفٌ حية دبرها الله واختارها بعنايته لتكون حاملةً لأسراره. ولذلك عرفنا من السلف الطاهر تعظيم هذه الحروف وتنزيهها عن كل دنس، حتى آمنوا بقدسيتها التي تمنع امتهانها، فهي منزهة لأنها وعاء الوحي الإلهي.
• أصالة الحرف: كانت حروف الوحي في أصلها السامي مفرقة، لتدل على أن لكل حرف سراً مستقلاً استقاه الولي بفطرته التي لم تتبدل، قبل أن تشرطه القواعد البشرية التي جاءت لاحقاً لتصف الجمال لا لتقيده.
هذا مجرد إيضاح للنقلة من جفاف القواعد إلى سعة الروح، أقدمه كأقل الناس علماً، دفاعاً عن كلام الله الذي هو الحاكم فوق كل لسان، واستجابةً لأمره الدائم بالنظر والتفكر في أسرار وحيه.
بقلم الفقير إلى عفو ربه: يحياوي محمد الامين ولد يحيى




