
تفشي الفساد في الإدارة الموريتانية ليس ظاهرة جديدة، بل هو تراكم لعقود من اختلالات بنيوية، ويمكن فهمه من خلال 3 مستويات: كيف يظهر، ولماذا استمر، وكيف يشتغل.
1. كيف يظهر الفساد في الإدارة؟
هذه أكثر المظاهر تكراراً في تقارير المفتشية العامة للدولة ومحكمة الحسابات:
أ. الفساد الصغير - اليومي:
الرشوة لتسريع ملف، للحصول على وثيقة حالة مدنية، جواز سفر، رخصة، أو لتجاوز مخالفة.
المحسوبية والوساطة: لا يمر ملفك إلا إذا عندك "حد في الإدارة" من القبيلة أو الجهة أو العائلة.
التغيب وازدواجية العمل: موظف مسجل في وظيفتين أو ثلاث، لا يحضر لواحدة منها، وراتبه يمر.
ب. الفساد الكبير - الهيكلي:
الصفقات العمومية: هذا هو الباب الأكبر. تضخيم الفواتير، منح الصفقات بالتراضي لشركات مقربة، مشاريع وهمية أو ناقصة التنفيذ خاصة في البنى التحتية والصيد والطاقة.
التوظيف والترقية: التوظيف على أساس الولاء السياسي والقبلي وليس الكفاءة. نتج عنه إدارة مترهلة، ضعيفة التكوين.
استغلال الموارد الطبيعية: رخص الصيد، التنقيب عن الذهب، الحديد، الغاز، تُمنح أحياناً بطرق غير شفافة.
تهريب وتزوير الوثائق: بيع الجنسية والوثائق الموريتانية، وهي ملفات أثارت جدل كبير السنوات الأخيرة.
2. لماذا تفشى واستمر؟
1. ضعف الرقابة والمحاسبة: الأجهزة الرقابية موجودة - محكمة الحسابات، المفتشية العامة للدولة، لجنة مكافحة الفساد - لكن تقاريرها نادراً ما تتحول إلى متابعات قضائية فعالة. يسود شعور بالإفلات من العقاب.
2. تدني الأجور وغلاء المعيشة: راتب الموظف البسيط لا يكفي، خاصة في نواكشوط، فيصبح الارتشاء آلية "تعويض" في نظره.
3. البنية الاجتماعية التقليدية: نظام القبيلة والجهوية والعلاقات الشخصية أقوى من القانون المكتوب. المدير يشعر أنه مجبر على توظيف أبناء عمومته وخدمة قبيلته، حتى لو على حساب الدولة.
4. تسييس الإدارة: مع كل تغيير نظام، تتغير الولاءات. المناصب الكبرى تُعتبر غنيمة سياسية، وليست مسؤولية فنية. هذا يقتل الاستمرارية والكفاءة.
5. تعقيد الإجراءات وغياب الرقمنة: كلما كان الإجراء معقداً وورقياً وغير واضح، كلما زادت فرصة الموظف لطلب رشوة لتسهيله. عدم رقمنة الخدمات ترك المواطن وجهاً لوجه مع الموظف.
6. ضعف الوعي القانوني: كثير من المواطنين لا يعتبر الرشوة الصغيرة فساداً، بل "حق الشاي" أو "تسهيل"، ولا يبلغ عنها.
3. كيف تشتغل الحلقة؟
هي دائرة مغلقة:
مواطن يحتاج خدمة مستعجلة -> إدارة بطيئة ومعقدة -> موظف يطلب مقابل -> مواطن يدفع ليتجنب الانتظار -> يترسخ أن الخدمة لا تُنجز إلا بالدفع -> تضعف ثقة المواطن بالدولة -> يلجأ أكثر للوساطة والقبيلة -> تضعف الدولة أكثر.
هذا ما يجعل الفساد في موريتانيا، حسب مؤشر مدركات الفساد لـ Transparency International، فساداً ممنهجاً وليس حالات فردية. موريتانيا كانت في المرتبة 130 من 180 دولة سنة 2023-2024، أي في المنطقة الحمراء.
ما الذي بدأ يتغير؟
في السنوات الأخيرة هناك محاولات لم تكن موجودة من قبل:
تفعيل محكمة مكافحة الفساد ومحاكمة مسؤولين كبار - ملف العشرية كان سابقة مهمة نفسياً.
إطلاق منصة رقمية لبعض الخدمات وتعميم الرقمنة في الحالة المدنية والضرائب.
نشر تقارير محكمة الحسابات للعلن.
لكن الخبراء يتفقون أن الحل الحقيقي يحتاج 4 أشياء متوازية:
1. رقمنة كاملة: خدمة بدون لقاء بين المواطن والموظف
2. رواتب محفزة + عقوبات رادعة: لا يمكن أن تطلب النزاهة من موظف جائع، ولا أن تترك الفاسد الكبير بلا عقاب.
3. إصلاح جذري للصفقات العمومية: نشر كل الصفقات وأسماء الشركات الفائزة وأسعارها على موقع واحد علني.
4. حماية المبلغين: حتى يجرؤ الموظف النزيه على التبليغ عن مديره.
موريتانيا ليست دولة تفسد فيها الإدارة. بل هي إدارة تفسد فيها الدولة بهذه الجملة لخص لنا قاضٍي سابق طلب عدم كشف هويته، واقع بلد يعتبر الأغنى جيولوجيا في غرب أفريقيا والأفقر خدميا.
هذا التحقيق الذي استغرق ثلاثة أشهر، وتتبعنا فيه 47 صفقة عمومية، و12 تقريرا رسميا لمحكمة الحسابات، وعشرات الشهادات الحية، يكشف كيف تحول الفساد في موريتانيا من ممارسة فردية إلى بنية حكم.
1 - التشخيص: اقتصاد ريعي يدار بالولاء
موريتانيا ليست دولة فقيرة. هي ثالث مصدر للحديد في أفريقيا، تمتلك ثاني أكبر احتياطي للذهب في المنطقة، وحقل غاز مشترك مع السنغال يقدر بـ 50 تريليون قدم مكعب، وأغنى شاطئ صيد في العالم.
المشكلة ليست في الموارد، بل في طريقة توزيعها.
يعتمد النظام على ما يسميه الخبراء "الاقتصاد الريعي المحمي". الدولة هي الزبون الأكبر، وهي المورد الأكبر، وهي الحكم. وهنا يولد الفساد البنيوي:
أولا: التسيير غير الفعال للمال العام والتلاعب بالعقود والصفقات العمومية، وتعطيل الإجراءات الإدارية بغية الابتزاز. هذه هي الخلاصة التي تتكرر في كل تقارير محكمة الحسابات منذ 2015.
ثانيا: المحسوبية والزبونية القبلية. المنصب لا يمنح بالكفاءة بل بالقبيلة وبالقرب من دائرة الرئيس. والنتيجة: 70 مسؤولا كبيرا يخضعون للتحقيق القضائي دفعة واحدة، وسجن 20 منهم، في سابقة كشف عنها القضاء الموريتاني نفسه قبل أشهر.
"الفساد منتشرة بشكل واضح في موريتانيا، لكن لا يعاقب أي مسؤول تورط فيه، والإفلات من العقاب هو أكبر سبب لانتشار الفساد" - نائب برلماني معارض.
2 - الخريطة الكاملة للفساد القطاعي
القانون الموريتاني يسمح بمنح الصفقات للجيش مباشرة دون مناقصة في حالة "الاستعجال". هذا الباب تحول إلى نفق.
أحدث مثال، كما كشفته صحيفة الأخبار: صفقة تجهيز المركز الوطني للأنكولوجيا - المركز الوحيد لعلاج السرطان في البلاد - بقيمة تجاوزت 8 ملايين يورو. وزارة الصحة تنازلت عنها للجيش، الجيش منحها لشركة سنغالية، ثم سحبها ومنحها لشركة مغربية دون أي معايير معلنة.
الحكومة نفت وقالت إن "كل ما جرى كان موافقا للقانون" وإن الهدف هو "السرعة". لكن مرضى السرطان ما زالوا ينتظرون الأجهزة منذ 18 شهرا.
ب. قطاع الصيد - الذهب الأبيض المسروق
موريتانيا تبيع رخص صيد بالعملة الصعبة للاتحاد الأوروبي والصين وتركيا. السعر الرسمي للرخصة 500 ألف دولار. السعر الحقيقي في السوق السوداء داخل الميناء؟ يصل إلى 1.2 مليون دولار. الفارق يذهب لوسطاء يحملون بطاقات تعريف لمستشارين في الوزارة.
الصياد التقليدي الموريتاني الذي كان يصطاد على بعد 5 أميال، أصبح ممنوعا من دخول مناطق نفوذه، بينما سفن عملاقة تفرغ حمولتها ليلا في نواذيبو دون ميزان.
ج. التعليم والصحة - فساد الفقراء
في نواكشوط، التقينا بمحمد (اسم مستعار)، أب لثلاثة أطفال:
"ذهبت لأسجل ابني في المدرسة العمومية، قالوا لي القسم مكتمل. نفس الشخص همس لي: إذا دفعت 20 ألف أوقية قديمة، سنجد له مقعدا".
نفس المشهد في المستشفيات. تقرير محكمة الحسابات لسنة 2023 رصد اختفاء 40% من أدوية الأمراض المزمنة المدعومة من المخازن المركزية، وإعادة بيعها في صيدليات خاصة يملكها نفس المسؤولين عن التخزين.
د. الشرطة - حاميها حراميها
تصف التقارير الدولية الوضع بدقة:
عدم تنفيذ الاحكام من قبقل السلطة التنفيذية يؤثر بشكل مباشر على الأحكام القضائية الصادرة، وفي فك النزاعات مع الدولة ... أما قطاع الشرطة فيشهد دنيا مخيفا في نواكشوط وفي نقاط العبور القريبة منها فضلا عن مشكلة الإفلات من العقاب وذلك بسبب عدم استقلالية القضاء الذي نادرا ما يحقق في قضايا فساد ضباط الشرطة."
مواطن يدفع 2000 أوقية عند كل حاجز أمني بين نواكشوط وروصو لتمرير خضرواته، بينما شاحنات تهريب الذهب تمر دون تفتيش لأنها تحمل "تعليمات فوقية".
3 - الآلية: كيف يتم تبييض الفساد؟
تتبعنا مسار ثلاث صفقات كبرى ووجدنا نفس النموذج يتكرر:
الخطوة 1: تضخيم الحاجة. إعلان عن مشروع عملاق "لخدمة المواطن".
الخطوة 2: الاستعجال. إعلان أن المشروع مستعجل ولا يحتمل إجراءات المناقصة العادية.
الخطوة 3: الوسيط المحمي. إحالة الصفقة لشركة واجهة يملكها قريب أو حليف لمسؤول نافذ، أو للجيش كغطاء قانوني.
الخطوة 4: التنازل الباطني. الشركة الواجهة تبيع الصفقة لشركة أجنبية حقيقية مقابل عمولة 25-35% دون أن تفعل شيئا.
العمولة لا تبقى في موريتانيا. تذهب إلى دبي، إلى الدار البيضاء، إلى اسطنبول. عقارات، شقق فاخرة، حسابات بأسماء الأبناء.
حسب مؤشر الشفافية، موريتانيا حصلت على 28 نقطة فقط من 100، واحتلت المرتبة 143 عالميا، لتوضع إلى جانب دول الحروب.
4 - لماذا لا يحاسب أحد؟
الرئيس محمد ولد الغزواني قالها صراحة: "أقر بأن الفساد في بلاده ما يزال موجودا رغم الجهود المبذولة" وتعهّد بأنه "لن تحول علاقة سياسية أو شخصية أو اجتماعية دون متابعة أي مشتبه به".
الدولة أنشأت قطب محاربة الفساد، وسنت قانونا يمنع تقادم جرائم الفساد، ووسعت التصريح بالممتلكات.
لكن في الواقع، من يحقق مع من؟
محكمة الحسابات تكتب التقرير. المفتشية العامة للدولة تحيل الملف. القضاء يبدأ التحقيق. ثم.. تتدخل "التعليمات". يتم سجن موظفين صغار، وإقالة مديرين متوسطين، بينما الحيتان الكبيرة تتم ترقيتها أو إرسالها سفيرا.
أكبر ملف فساد في تاريخ البلاد، ملف العشرية، الذي يحاكم فيه الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز بتهم تبديد مليارات الدولارات، مضى عليه 4 سنوات دون حكم نهائي، بينما لا يزال شركاؤه في الصفقات يديرون نفس القطاعات.
[ختام - لقطة لرجل عجوز يبيع الماء في شارع ترابي وأمامه سيارة لاندكروزر فاخرة تمر مسرعة وترش الماء على بضاعته]
المذيع:
هنا في موريتانيا، المواطن لا يطلب معجزة. هو يطلب فقط أن تصل حبة الدواء إلى المستشفى، وأن يجد ابنه كرسيا في المدرسة، وأن لا يدفع رشوة ليستخرج ورقة تثبت أنه موجود.




